النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

قيصر الروم ومكانة علي عند معاوية

رابط مختصر
العدد 10397 الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 الموافق 6 محرم 1439

التاريخ وما أدراك ما التاريخ، تاريخ مدفون وتاريخ مسطور، ومجموع نصوصنا التاريخية، لا نعرف في واقع الأمر، أيٌّ منها تاريخٌ يرضى عنه ضمير التاريخ وأيٌّ منها سطورٌ مُسَطَّرَة دُسَّتْ في التاريخ وشوهت الحقيقة في عقول الناس، هناك الكثير المنسوب الى التاريخ وما هو بتاريخ بل تأليف... وردتنا رواية تاريخية، قد تكون تأليفاً وقد تكون تاريخاً حقاً، تجمع هذه الرواية بين قيصر الروم ومعاوية وعلي بن أبي طالب، وليس من عجب أن تكون هذه الرواية التاريخية قد أعيد بعثها بعد دفنها ... تقول هذه الرواية إنه في زمن الصراع بين معاوية وعلي بن أبي طالب أراد قيصر الروم أن يستغل هذا الصراع ويستثمره لغرض في نفس يعقوب، كَدَأْب الغرباء والأغراب الألِدّاء عندما يستشعرون خلافاً أو شجاراً بين الأخوة والأصدقاء، فبعث قيصر الروم برسالة مقتضبة الى معاوية نصها: «علمنا بما وقع بينكم وبين علي بن أبي طالب، وإنَّا لنرى أنكم أحق بالخلافة منه، فَلَو أمرتني بعثت إليك جيشاً يأتون إليك برأس علي»... فكان جواب معاوية بهذه الكلمات المفجعة لقيصر: «أخوان تشاجرا فما بالك تدخل فيما بينهما. إن لم تخرس أرسلت إليك بجيش أوله عندك وآخره عندي يأتونني برأسك أقدمه لعلي»... هذه رواية تاريخية خرجت من بطن نص من نصوص التاريخ شبه المجهول، وقد تكون هذه الرواية هي إحدى تلك الروايات التاريخية الحقيقية المدفونة في تربة المجهول، وما عندنا من روايات عن الصراع بين معاوية وعلي بن أبي طالب هي الرواية المسطورة في تفاصيلها الدرامية التي تؤجج النفوس وتشرذم أتباع الدين الواحد، خاصة وأن تَأْرِيْخَ الأحداث في عهد الخلفاء الراشدين وفترة الانتقال، وما صاحبتها من خلافات وصراعات، الى عهد ما بعد الخلافة الراشدة، دُوِّنَ في العهد العباسي، أي بعد أكثر من مائة عام من تلك الفترات، وكان كتبة التاريخ حينها يراعون ما يرضي خلفاء بني العباس الذين كانوا يتشفّون ببني أمية ويوعزون الى أولئك الكَتَبَةْ بما يرضي غليلهم في بني أمية ويمهّد السبيل لهم الى تثبيت سلطانهم على قاعدة العلاقة ببيت النبوة، بعد أن خانوا العهد مع العلويين وتمادوا في الانتقام من فلول بني أمية... ودارت دائرة البطش العباسي على العلويين بأشد من بطش الأمويين، فانقضى أمر الامويين بالنسبة للسلطة العباسية، فاستفرد العباسيون بطشاً وتنكيلاً بأبناء عمومتهم من العلويين، والطرفان أبناء عمومة في بيت النبوة.   

حسب هذه الرواية، والمصداقية غير مستبعدة في هذه الرواية، فإن رد معاوية على قيصر الروم فيه نَفَسٌ من الحكمة وحنكة في القيادة وعظمة في المكانة، ووعي عميق في التمييز بين الخلاف الداخلي والاستغلال الخارجي لذاك الخلاف، الخلاف الذي يبقي على مكانة الأخوة ورباط العائلة والأمة، مهما بلغ الخلاف حدةً.. والحياة علمتنا، وسوف تعلم أحفادنا والأجيال اللاحقة الى ما شاء الله، بأن هواجس الانسان كثيرة وهي ممزوجة بذات الأنا فيه، وأن هاجس الأنا تدفع به الى أنكر أنواع الجرائم بما في ذلك خيانة الإبْنِ لأبيه، وقتل الأخ لأخيه، والأمثلة تمتد من الماضي السحيق الى حاضرنا، ولا ندري إلى أي مدى في مستقبل الزمان ستدوم هذه النزعة التي تشمر عن سواعدها و هي تتربع على عرش الهواجس متوجاً بِنَفَسِ الأنا...

الرواية تحمل التناقض الطبيعي في واقع كل حال، فالواقع خميرة متفاعلة من المتناقضات والأضداد، فلا غرابة أن ينتصر معاوية لعلي ويدافع عنه ويؤكد على قوة الأخوة وصلابة الرباط العائلي بينهما أمام عدو خارجي مشترك، والأمر نفسه كان سيحصل لو أن قيصر الروم كان قد حمل رسالته الى علي بن أبي طالب يحرضه ضد معاوية، هذا هو وجه من أوجه وحدة الأضداد، التي يستوجب علينا إدراكها في وحدتها وليس في الفصل بين مكوناتها. بينما سطور التاريخ، بالأسلوب التقليدي والنمط الإرثي الدارج، يختزل عناصر خميرة الواقع في عنصر واحد، وهذا العنصر يصبغ تعسفاً بلونين، لون ناصع ولون مظلم، فهذه السطور عندما تتناول خلافاً او صراعاً فإنها تُؤَلِّهُ طرفاً وتُشَيْطِنُ طرفاً، وهذا التعسف يلغي العنصر النقيض الذي يحمل الوجه الناصع، وفي قضية الصراع بين علي ومعاوية فإن هذا التعسف يلغي تجذر الرباط العائلي بينهما، وكيف أن هذا الرباط له مكانة في نفوس الطرفين، بينما التاريخ المسطور يتضمن تفاصيل مخصصة لتجييش النفوس وليس لمخاطبة العقول، وهذه التفاصيل المحرضة تتعرض على فترات من الزمان للتضخيم بإضافة سطور مختلقة تنحرف بالقليل التاريخي الى البناء الأسطوري، والأسطوري بنفس ديني حتى يكون التأثر السلبي في النفوس أعمق وأشد تأثيراً، وهكذا يُكْتَبُ لحدث من الماضي البعيد الاستمرار والديمومة الى ما شاء الله من الزمان.   

وهكذا فإن قصة معاوية مع قيصر، بغض النظر عن  صدقها او عدم صدقها بدقة الحدث والنص، إلاّ أن وحدة الأضداد في العلاقة بين طرفي النزاع لا يمكن تجاهلها ولا اختزالها، الاحداث التاريخية المسطورة بعد انتقال السلطة من الحكم الراشدي الى الحكم الأموي تتضمن وقائع تشير الى حرص السلطة الأموية المحافظة على وصون مكانة البيت العلوي، وكيف أن هذا البيت هو الصنو للبيت الأموي، بينما هذه النظرة كانت غائبة في الجانب العباسي بالعلاقة مع العلويين.  

وهذه الرواية، التي نرى فيها حقيقة تاريخية أخفتها التفاصيل الأسطورية، الهدف منها الأمانة التاريخية، ونيتها الخير والصلاح، وإطفاء نار فتنة دامت منذ أربعة عشر قرناً الى يومنا هذا... أما آن الأوان لإطفاء نار هذه الفتنة، شبه المستدامة، التي أهلكت الناس وأخرت التقدم بينما الشعوب تتقدم وتصعد... أما آن الأوان للاستمتاع بنعمة التآخي والسلام ولو برواية  ناصعة بالأماني الطيبة تكشف المستبعد المستور من سطور التاريخ ... نعم، هذه مثالية، وما الضير في مثالية فاضلة تطفئُ نار فتنة مازالت تحرق الأخضر واليابس وتلوث بيئة النفوس بأنجاس الحقد والكراهية...

وأختتم هذه السطور وأنا أشعر بألم وجداني مبعثه أننا مازلنا مضطرين أن ننبش في الماضي كي نعالج آثار الماضي في علل الحاضر...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا