النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

مساكين العرب

رابط مختصر
العدد 10394 السبت 23 سبتمبر 2017 الموافق 3 محرم 1439

كيف ينبغي لنا أن نرد على التطلع الكردي إلى إجراء استفتاء على الاستقلال؟ إن رد فعلنا الغريزي بوصفنا عربا فخورين بعروبتنا هو أن نطالب بألا يسمح بإجراء مثل هذا الاستفتاء بأي حال من الأحوال؛ الآن وفي المستقبل، فالمناطق الكردية جزء لا يتجزأ من العراق والعالم العربي، وأي تحركات نحو الحكم الذاتي ينبغي أن تعارض بقوة.
لكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هنا هو كيف أن شريحة كبيرة من المجتمع لا تريد أن تبقى جزءا من البلد نفسه كما مواطنيه؟ كيف وصلنا إلى هذه النقطة المأساوية؟
في بلد طبيعي تشهد فيه حياتنا تقدمًا مرضيًا، لن يحدث أبدًا أن نفصل أنفسنا عن امتدادات الأرض التي ولدنا فيها، وعن أمتنا التي ندين لها بكل شيء. ربما يحدث الطلاق بين زوجين جراء نزوة عابرة، لكن هذا يترتب عليه غالبا تفكك الأسرة وضياع الأطفال وشهور طويلة من المعارك القضائية المفضية إلى خسائر جسيمة للطرفين الذين يصلان معًا إلى نقطة لا العودة.
لكن الإنصاف في القول هنا يتطلب منا وضع أنفسنا مكان الأكراد لنسأل كيف كانت علاقتهم مع حكوماتهم العراقية المتعاقبة؟ لقد شن صدام حسين حملة إبادة جماعية ضدهم، ثم عانوا من الفساد والخلل في فترة ما بعد العام 2003، وأخيرا دمرت داعش أجزاءً من مناطقهم.
العراق اليوم رجل ميت، وقد تم قمع الأكراد وتهميشهم؛ ولكن في كثیر من الأحیان، تعد كردستان أكثر المناطق ازدهارًا وسلمًا في الدولة المدمرة والمكسورة. وقد هجر مئات الآلاف من السنة من ديارهم بسبب العنف، كما أن مجموعات الأقليات -المسيحيين والتركمان واليزيديين وغيرهم- تعاني أسوأ من ذلك.
من هو الأسوأ؛ داعش أم الحشد الشعبي؟ ليس لدي أي فكرة، فكلاهما قوتان شريرتان يهدد وجودهما حياة المواطنين المحبين للسلام، فداعش لديها تاريخ طويل في قمع الشعب العراقي قبل أن تصبح حتى داعش، كما أن الميليشيات التي تشكل الحشد الشعبي عملت أيضا على التنكيل بفئات عريضة من الشعب العراقي منذ عدة عقود.
في كل خطوة من الطريق استغلت إيران الانقسامات الوطنية لإضعاف الدولة العراقية، والعراق اليوم واقع إلى حد كبير في أيدي جماعات الميليشيا التابعة لإيران التي تسعى إلى التعدي على المناطق الكردية.
فشل الدولة العراقية هو فشل عربي في السماح لهذه الدولة العظيمة أن تصبح «الرجل المريض» في المنطقة. فشلنا في احتواء أسوأ دوافع صدام. لقد فشلنا في معالجة مشاجرة مع الكويت نجم عنها قدوم نصف جيوش العالم للقيام بهذه المهمة نيابة عنا، وفشلنا في ضمان التوصل إلى اتفاق برعاية عربية في العام 2003، وفشلنا في القيام بأي نوع من الدور المهم للمساعدة في تنظيف الفوضى التي خلفها الغزو الأمريكي للعراق ورائه.
السعودية الآن مع بعض القيادات العربية المستنيرة الأخرى تسعى إلى معالجة هذا الفشل الكارثي، من خلال التعامل مع القيادات العربية ورسم مستقبل العراق بعيدا عن حضن إيران السام.
لقد فعلت إيران ضررًا فظيعًا في العراق، فتدخلها المتواصل لا يهدد الانفصال الكردستاني فحسب، بل هو أيضا يفكك الأمة العراقية بأكملها في أجزاء متحاربة، ومع ذلك، لا يستطيع المتضررون الأجانب الحصول على موطىء قدم إلا عندما يكون هناك فتنه في البيت العربي. إيران لم تخلق انقساماتنا الأساسية وأوجه القصور، لكنها فعلت كل ما في وسعها لاستغلالها.
إن تاريخ العراق وبغداد هو تاريخ فخور بالفلاسفة والفلكيين والعلماء والرياضيين والكتاب والمهندسين والمهندسين المعماريين؛ العرب والكرد، وإن مأساة العراق اليوم هي أن معظم العراقيين -الأكراد والسنة والشيعة والمسيحيين- لا يشعرون بأنهم جزء من دولة شاملة تمثلهم وتدافع عن مصالحهم. وبالمثل، يمكنني أن أكون فخورًا بكوني لبنانيًا دون أن أشعر بالفخر بالحالة السياسية المؤسفة لبلدي، وكم من السوريين والليبيين واليمنيين وغيرهم يمكن أن يقولوا نفس الشيء عن الوضع المزري لدولهم اليوم.
عندما استقل جنوب السودان قبل بضع سنوات، شعرنا في العالم العربي بأن هذه كانت مؤامرة غربية، فكيف يجرؤ أناس من دولة عربية نفخر بها على فصل أنفسهم، لكننا أدركنا لاحقا أن هذا الانفصال كان نتيجة حتمية لواقع متوحش واجهه شعب جنوب السودان من قادة «عرب» متعاقبين في الخرطوم، حتى أنه كاد يكون من المستحيل العثور على أي شخص في الجنوب يريد البقاء جزءًا من السودان الأكبر، على الرغم من أن أوضاع جنوب السودان الآن سيئة للغاية.
كان الأكراد دائما أبناء عمومتنا، وكانت المناطق الكردية دائما مركزية في العالم العربي، البطل «العربي» الكبير صلاح الدين الأيوبي بالطبع كان كرديًا، ويمكن أن يكون هناك عدد قليل جدا فقط من العرب لا يتشاركون شيئًا من الحمض النووي مع الأكراد.
العالم العربي الآن في رفضه الرغبات الكردية في الحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي مثل الزوج الذي أهمل وضرب زوجته على مدى عقود، ثم عندما طالبت بالطلاق قال «على جثتي».
لا ينبغي لنا أن نستخف بالدعوة الكردية إلى إجراء استفتاء على الاستقلال، ولكن ينبغي في الوقت ذاته ألا نرد على هذه الدعوة بالتهديد والإساءة؛ لأن هذا الموقف المهمل والعدواني من القادة العرب هو ما دفع الشعب الكردي إلى المطالبة بالانفصال.
لعلنا لا نزال نستطيع العثور على السبل التي يمكن للعراقيين الأكراد والعرب أن يواصلوا التعايش معًا، ولكن هذا يحدث فقط إذا كان العالم العربي يحرز تقدمًا على نطاق واسع في إصلاح الدولة العراقية المكسورة والفاشلة.
إذا لم نتصرف بسرعة وحسم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا العراق العظيم سيكنشف أمننا القومي العربي على المزيد من التحديات التي تهدد وجودنا أمة عربية برمتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا