النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الطريق المسدود لحكم الإسلام السياسي !

رابط مختصر
العدد 10390 الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 الموافق 28 ذو الحجة 1438

الاثنان تركيا وإيران، يعتمدان بدرجات مختلفة على (مقولات إسلامية في الحكم) كما يفهمانه، وكلاهما لديه مشروع سياسي للتصدير، الأول يرغب في تصدر (ولاية الفقيه) والثاني يرغب في تصدر (الديمقراطية المحافظة بنكهة تركية) يشتركان في استخدام (الدين) كوسيلة للتصدير، وفي تحديد ( الزبائن) او المجال الحيوي وهي البلاد العربية، متى ما فُتحت ثغرة للتدخل لهما للولوج الى الفضاء العربي. المشروع الايراني واضح المعالم كما ان ادواته لا تُخفي نفسها، سواء جماعات منظمة فوق السطح، او تحت جلدة المجتمعات العربية، او مليشيات من البر الايراني.
المشروع التركي فيه غموض، فهو لم يستطع أن يتحدث عن مشروعه علنًا، ولكن لا يتردد في الاستفادة من أدوات يلحقها به، وفرص تبدو له سانحة في الشقاق العربي، كما أن المشروع موجود في أدبيات حزب العدالة والتنمية، المشروعان الايراني والتركي كما يحملان بذور نجاحهما في المنطقة الى حين، فإنهما يحملان في الوقت نفسه بذور فنائهما كل من زاوية، الأول يعمل (خارج مسيرة تاريخ الشعوب، وفشل في جلب الحرية والعدالة والرفاه للشعوب الايرانية) وقد بدأ الانصراف عنه، والثاني يتوجه بسرعة الى وضع نفسه ايضًا خارج تلك المسيرة، وإن حقق في بدايته نجاحًا اقتصاديًا. الحديث اليوم حول (المشروع التركي) وهو مشروع لا يلاقى قبولًا من جماعات سياسية تركية في الداخل، كما انه مشروع يتعثر داخل الطيف التركي، إلا انه يلقى قبولًا من تيار عربي في طيف الاسلام السياسي.
المشروعان يتوجهان الى التدخل العسكري النشط في دول الجوار، وهو تدخل يحمل مقاومة من داخل المجتمعات العربية، لذلك فإن النتيجة التي سوف يصل اليها ذلك التدخل العسكري، هي النتيجة نفسها التي وصل اليها (أي تدخل عسكري) بصرف النظر عن تسميته، وهي الخسران! لنطلع على بعض الشواهد، فأول فتلة من حبل مشنقة صدام حسين، فتلت يوم اجتياحه الكويت، وبداية أفول الامبراطورية السوفيتية، من تاريخ تدخلها في أفغانستان.
المشروع التركي بدا من وسط التسعينيات وحتى العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين يحقق نجاحًا نسبيًا، حيث جذب انتباه النشطاء العرب، بذوره كما نعلم في السبعينيات، وانطلاقه جزئيًا من خلال عمل اسلامي سياسي، كان الى حدٍّ ما ردًا غير مباشر على هزيمة العرب في عام 1967، واعتمادًا على أدبيات (الاخوان) التي ترجمت بكثافة الى التركية! كما استفاد من التوجه الليبرالي لعهد كل من عدنان مندريس ( أعدم سبتمبر 1961 وسليمان ديمريل الذي حكم أكثر من فترة بين 56 /‏ 93) بدا أن هناك (توليفة) ناجحة تتشكل ببطء بين (تيار إسلامي سياسي، وبين حداثة تحقق تنمية للناس) في الفضاء التركي، وتدفق الغزل تدريجيًا على المشروع، خاصة مع بداية العشرية الأولى من القرن الحالي، لم يكن هذا الغزل العربي بعيدًا عن العاطفة، كما لم يكن مقصورًا على الاسلاميين، فقد أخذ هذا المشروع السياسي الاسلامي منذ أن توسعت له طرق العمل العلني في عهد الرئيس (الكردي) تورجوت أوزال، وبقيادة رجل تاريخي هو نجم الدين أربكان، يلفت نظر سياسيين في بلاد اسلامية عديدة، أربكان أنشأ عددًا من الاحزاب ذات الطابع الاسلامي في مجتمع استقرت لديه (العلمانية) وظهر أنه (فتح جديد) في الفضاء السياسي التركي، فمن حزب النظام الوطني، الى حزب الفضيلة الى حزب الرفاه، كانت كل تلك الاحزاب بقيادة أربكان تصل الى الطريق المسدود، ويتم حلها من قبل السلطة المهيمن عليها من العسكر، رغم أنه نفسه (أربكان) وصل الى السلطة وبقي فيها فترة وجيزة. التغيير في ايران أثر على الفضاء التركي السياسي من ناحية جاذبية الشعار الاسلامي، إلا انه لا بد أن يتلون بلون تركي في توليفة (ديمقراطية من حيث الشكل الخارجي وقومي من حيث التطبيق) لزوم الاتساق مع القيم الغربية التي نظرت تركيا الى الالتحاق بها فترة طويلة، فكان أن أسس حزب العدالة والتنمية في أغسطس عام 2001 من كثير من الكوادر التي عملت للاحزاب السابقة، أحزاب الفضيلة والعدالة والرفاه، إلا أن الحزب الجديد أخذ بخطاب تصالحي في البداية حديثة الافكار وقيادة شبه جماعية. في هذه الاثناء كان نمور الاناضول من الصناعيين الأتراك قد حققوا نهضة صناعية لافتة، ساعدتهم إصلاحات تورجوت أوزال، وقوانين المستويات الاوروبية للجودة في اتقان أعمالهم والتي كانت تركيا تجهد لتوأمة قوانينها التجارية والصناعية والتعليمية مع اوروبا، تمهيدًا لتحقيق حلم الدخول في السوق الاوروبية المشتركة! النجاح الاقتصادي في العشرية الاولى من القرن الحالي في تركيا يحسب للاصلاحات الاقتصادية السابقة، وايضا لإدارة السيد رجب أردوغان التشاركية في البداية، ابن حي استنبولي فقير، ومتميز في كرة القدم، والذي أدار بلدية استنبول العاصمة التجارية بنجاح، وربما أورثت تلك العناصر السيد أردوغان شيئًا من الغرور المرضي، فبدأت المغامرات السياسية تأكل من رصيد تركيا على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وتحول الأمر من صفر مشاكل إلى هرم مشاكل. فعلى الصعيد الداخلي بدأ السيد اردوغان يمشي على تقاليد الجمهورية منذ ان نشأت بالممحاة، فقد كانت تركيا الديمقراطية قد استقرت ان تفصل بين منصب رئيس الحمهورية، ومنصب رئيس الوزراء، ومنصب رئيس الحزب، فقرر أردوغان الجمع بينهم الثلاثة، كما فعل أتاتورك! وحيث ان هناك أربعًا وثلاثين أثنية في تركيا ويعتمد حزب العدالة على تأييد شعبي عابر للاثنيات من مكانين مهمين، هما أولًا الطريقة الصوفية النقشبندية، أوسع الطرق الصوفية في تركيا وأكثرها ارتباطًا بالسياسة، والثاني هم جماعة (الخدمة) المرتبطة بزعامة فتح الله جولن، ذات الانتشار الواسع، حتى وقع الخصام مع الأخيرة، واتهمت بالضلوع في محاولة الانقلاب (14 يوليو 2016) فأصبح أعضاؤها مطاردين، وتم تصفية عدد ضخم من الذين اعتبروا متآمرين من الحركة ومن الحزب، قلص ذلك من الشعبية للحزب، كما قلص من الحريات العامة في تركيا.
على الصعيد الخارجي تذبذب القرار التركي تجاه روسيا وسوريا والعراق ومصر واسرائيل، بل واوروبا بين شد وجذب، بسبب تصريحات ومواقف السيد أردوغان السياسية التي ظهرت في كثير منها (غير منضبطة)، بل حتى التدخل في الخلاف الخليجي الذي تذبدب فيه الموقف التركي، بين تأييد طرف، ومحاولة التوسط في الوقت نفسه، حتى النجاح في تقليص دور العسكر بدأ بالاهتزاز، فالاعتماد عليهم في تمكين سياسة خارجية، يعيد لهم في وقت ما سلطتهم المسلوبة، كما حدث في إرسال قوات عسكرية تركية خارج الحدود. لا يخفى أن تكاليف سياسة السيد أردوغان بدأت تفوق عوائدها، وتتعرض كل التجربة بما سلب منها من آليات ديمقراطية، ونجاح اقتصادي لتصبح أثرًا بعد عين! الأزمة المكتومة اليوم في تركيا تتلخص في سطر واحد هو (الانفراد بالسلطة) وضمور قاعدة اتخاذ القرار، يقلب النجاحات الى إخفاقات! وتصبح تركيا نسخة في العمق غير مختلفة عن ايران! أي نهاية الطريق لما عرفناه في منطقتنا بحكم الاسلام السياسي.
عن صحيفة الأهرام

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا