x
x
  
العدد 10397 الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 الموافق 6 محرم 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10384 الأربعاء 13 سبتمبر 2017 الموافق 22 ذو الحجة 1438
 
 

مواصلة للحديث الذي بدأناه في المقال السابق حول الخلط بين الدين والسياسة وما ينجم عنه من إشكالات تشوه الحياة السياسية وتحرف الدين الحنيف عن مساره ومصبه الحقيقي، نعتقد أنه من غير الممكن استمرار الجمع بين المنبر الديني والعمل السياسي، نتيجة ما يترتب على ذلك من كوارث حقيقية. فقد عشنا بعض أسوأ فصول هذه الحالة المشوهة، خلال السنوات القليلة الماضية، وأدت فيما أدت إليه - إلى تقسيم المجتمع طائفيا. فالحزب السياسي - إذا كان دينيًا أو كانت له مرجعية دينية يسند إليها ويحمها في قراراته وتوجهاته وفي ترشيحاته ومواقفه - يسهم من حيث يدري أو لا يدري، في تقسيم المجتمع. فقد عشنا فصولاً غريبة ومدهشة من الخلط والفوضى، عندما كان عدد قليل من الطائفيين يتحكمون في مفاصل العمل السياسي ويوجهونه بالأمر والنهي. ويستغلون المنبر الديني للترويج للأفكار السياسية أو للتنظيم السياسي الذي ينتمون إليه أو يقودونه، من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو طائفية أو حتى منافع خاصة، على حساب الناس والدولة والدين واستقرار البلد ومصالحه العليا، خاصة إذا كانت لهؤلاء مرجعيات خارج الفضاء الوطني، فيكون للخارج تأثير مباشر في الداخل، مما يعد خللاً جسيمًا على الصعيدين السياسي والأمني.
هذا الموضوع لا يخص الحالة المحلية فحسب، بل يخص كل حالة مشابهة يتنظم فيها المجتمع السياسي-في منحاه العام - من خلال أحزاب وجماعات دينية طائفية تمارس السياسة من منطلق ديني طائفي. وقد رأينا ذلك في البلدان التي تكون فيها البنية الطائفية قوية ومهيكلة بشكل يجعلها منافسة للدولة، أو حتى أقوى منها في بعض الأحيان أو بديلاً لها، تمعن في تجاوزها وتحديها. ولا يهمنا في هذا السياق مسمى الطائفة أو عنوانها، فهي في النهاية تتساوى في الممارسة، وفي النتائج الكارثية التي تحل بالمجتمع من عدة جوانب، منها على وجه الخصوص:
- أولاً: إعاقة التطور الطبيعي للمجتمع، ومنع تكون الوحدة المجتمعية الوطنية المدنية التي كانت وراء نشوء الدولة المدنية في أغلب البلدان الأوروبية، فوجود الطائفة وتمركزها الجغرافي والسياسي واستحواذها على الموارد واحتكارها للسلطة (الأسرية كتشريع ديني - طائفي) وقدرتها على جمع المال، وترويجها لقراءتها للتاريخ وللمستقبل وامتلاكها لسلطات معنوية مطلقة، جعلها في الكثير من الأحيان تمتلك سلطات أكبر من سلطة الدولة نفسها، في التوجيه والقيادة والتعبئة.
- ثانيًا: تشكل وتغول العصبية الطائفية التي تتأسس على ذوبان الفرد في الجماعة التسلطية على أساس المرجعية الدينية المخصوصة المغلقة والمنتجة لإيديولوجية متعصبة متطرفة، أساسها الكراهية والحقد والانغلاق، بما يجعلها أداة لتفتيت المجتمع وأداة لفرض البقاء والتحكم في رقاب الناس، وبذلك تعيق الطائفية تأسيس مؤسسات المجتمع المدني الحقيقي الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والاجتماعية الفاعلة المبنية على أساس وطني وعقلاني - بل وتؤدي إلى تشويه العمل السياسي وعرقلة تكوين الوعي الوطني المستند إلى مفهوم المواطنة.
- ثالثًا: استغلال البنية الاجتماعية الطائفية - التي هي أقدم من الدولة وأرسخ وأكثر صلابة منها في بعض الوجوه - لتمرير خطابه ومصالحه الآنية (الأحزاب والجمعيات السياسية والسلطات المختلفة والأندية ومؤسسات المجتمع المدني بكافة أشكالها)، بما يطيل عمر هذه البنية الطائفية ويقويها ويجعها تمارس قدرًا واسعًا من الابتزاز للجميع، وهذا ما يسهم في تشويه المشهد السياسي، وبناء التحالفات الغريبة، فالبنية الطائفية للمجتمع في بعض المجتمعات، مغرية وسهلة الاستخدام، فهي خزان الأصوات والحشد والتجييش. وعادة ما يتحكم فيها أفراد قليلون لهم قدر من القدسية والقدرة على التأثير.. يتحول الصراع الاجتماعي المدني السياسي في المجتمع إلى صراع فئوي طائفي، ويخلق المزيد من التفتت والويلات والحروب الكارثية.
- رابعًا: اتساع نطاق الكراهية وتدمير أسس التسامح والتعايش السلمي بين المواطنين الذين تتقاسمهم الطوائف، والأخطر من ذلك أن الصراع السياسي الديمقراطي الذي يهيمن عليه هذا المنطق بشكل أو بآخر يفضي بالضرورة إلى فكرة «إنهاء سيطرة طائفية لإحلال سيطرة طائفة أخرى»، فينحرف الصراع المدني الوطني الديمقراطي ليتحول إلى صيغة طائفية، ولذلك فإن البحث خارج الخطاب الطائفي يقود بالضرورة إلى التعلق ببنية الخطاب العقلاني والوطني التوحيدي المضاد للطائفية شكلاً ومضمونًا، والمناهض للخطاب الطائفي الزاحف بقوة في طريق مفتوح، متحصنا بالقداسات المزيفة. هذا الخطاب هو الذي ينتج اليوم الإرهاب والقتل على الهوية والتفجيرات اللاإنسانية التي تطال المساجد والمآتم والتجمعات السكانية، بلا هوادة، هذا ما أنتجه هذا الخطاب الذي يعتبر الشركاء في الوطن (كفارًا أو وأعداءً،......)، إنه ينتج حروبًا تدميرية مستحضرًا ثارات تاريخية وهمية، يستبيح من خلال روايتها دماء (الانسان - المواطن أو يحرق أو يهدم مقدسا دينيا، باسم الطائفة، مثلما شهدناه في أكثر من بلد ومكان، مثلما شهدناه في العراق الشقيق، والذي تم تدميره إنسانيا بشكل منهجي غير مسبوق، بفعل تغلغل الطائفية في أركان الدولة والمجتمع.
إن الدولة إذا ما سمحت للطائفية بالنمو والازدهار، وإذا ما سمحت للأحزاب والجماعات والخطابات الطائفية - خطابات الكراهية والأوهام - بالتواجد علنًا وبممارسة إفسادها للعقول والنفوس، تكون قد سمحت بتدمير بنيتها الوطنية وتآكل وحدة شعبها، ولذلك فإنه، وبالإضافة إلى الحاجة إلى بناء مجتمع مدني ديمقراطي يتساوى أفراده أمام الدولة وأمام القانون، فهنالك حاجة ماسة إلى محاربة الطائفية والحد من تأثيرها، وعدم التهاون معها. وإن من المهم أيضا التأكيد أن هذا العمل هو فكري بالأساس، وسياسي بالدرجة الثانية.

همس
«الطائفية» لعنة تلاحق الأجيال جيلاً بعد جيل، تتفرع منها آفات تهدد حاضر الأوطان ومستقبلها. لأنها شر يهدد السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، ووجود الكيان الوطني برمته، إنها تغلق آفاق التقدم، وترهن حركة الناس والأجيال في قوالب جامدة، وتحنط المجتمع في شرنقات الانقسام والتجزئة والصراع.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟