النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

رواية البؤساء وبؤس الترجمات العربية

رابط مختصر
العدد 10383 الثلاثاء 12 سبتمبر 2017 الموافق 21 ذو الحجة 1438

«البؤساء» رواية ليست كباقي الروايات، ومنذ أن عرف الانسان الرواية إلى هذا اليوم، ليست هناك رواية يمكنها أن توازي أو تساوي مكانة «البؤساء»، فليس هناك مثقف ولا هاوٍ للقراءة، من أقصى الارض إلى أدناها، إلا وقرأ «البؤساء» مترجمة بلغة القارئ، وكل الذين قرأوا «البؤساء» يتحدثون عنها بالاسم المجرد دون نعت «الرواية»، وكأنها كيان قائم بذاته يتخطى علاقة النسب بعائلة الرواية. لا عجب في ذلك أبدًا، فإن «البؤساء» كعمل أدبي - فكري - إنساني يتخطى حدود الرواية إلى آفاق الملحمة... «البؤساء» ملحمة لا رواية.
الشاعر الفرنسي العظيم فيكتور هوغو بكتابه «البؤساء» يتساوي مع الشاعر الإغريقي الكبير هوميروس في ملحمة «الإلياذة»، مع فارق نوعي يفوق فيه «البؤساء» على «الإلياذة» من حيث الشكل والمحتوى. «الإلياذة» كتبت شعرًا صرفًا، وطبعًا لا سبيل لتذوق هذا الشعر إلا بمعرفة اللغة اليونانية في عصر هوميروس وليست اليونانية الحديثة، بينما الترجمات نقلت إلينا جهود المترجمين بافرازات من فهمهم للغة وللمقاصد التي أرادها هوميروس، فالمسافة بيننا وبين الإلياذة كافية ومؤكدة انها محت ومسحت قدرًا ليس باليسير من جمال الشعر وكنوز المتن. والإلياذة شعر ملحمي مادته تاريخ الحروب التي خاضها أبطال اليونان وكان ما كان من اسبابها وكرها وفرها وتداعياتها والأفكار وأشكال المعاناة التي تنتجت عنها، و«بؤساء» فيكتور هوغو نثر ملحمي يتمحور حول الثورة الفرنسية بكل ما حملت من فكر متمرد له كل مسوغاته الاجتماعية والاقتصادية والانسانية والوجدانية، واندفاعة جماهيرية تتلمظ طعم الانتقام من سلطة توزعت بين الملك والنبلاء والكنيسة، فلم ترحم الجماهير لا صغيرًا ولا كبيرًا، لا دميمًا ولا جميلاً، فقد عانت تلك الجماهير البؤس عرضًا وطولاً وعمقًا وليس من مغيث، وهكذا كان وصف الشاعر فيكتور هوغو لمعنى البؤساء، كانت ثورة بكامل أبعاد ثورة البؤساء، فهي جاءت لتهدم من أجل بناء أفضل، وهي في تفاعلات الهدم كانت أشد من فعل النار في الهشيم...
 هذه الثورة بروح البؤس، والبؤس بروح الثورة، صاغها الشاعر الفرنسي بروح الشعر، فالنثر في هذا العمل الأدبي العظيم كنز من المشاعر الإنسانية والأفكار التقدمية الراقية والمقولات الفلسفية العميقة وعمق ناعم في قيم الدين بروح الحكمة وضرورات الثورة بمقتضيات الصراع في الحياة ورسم شاعري لطبيعة الثائر الإنساني النزعة، وصيغة النثر فيه أقرب إلى الشعر، وطبعًا لا يمكن تحسس هذا التزاوج بين النثر والشعر شكلاً إلا من كان قريبًا من اللغة الفرنسية، أما روح الشعر في المتن فيمكن تحسسها في الترجمات المتمكنة والكاملة.
هذا العمل الانساني في ثوبه الأدبي ما كان له أن يرى النور بكامل حلته في كلمات قلائل وصفحات بعدد من المئات والعشرات، فقد خرج هذا العمل العظيم من رحم فكر إنساني عظيم في خمسة مجلدات تزيد عدد كلماتها على الخمسمائة ألف كلمة، فيا لعظمة هذا العمل الذي لم تقدره معظم الاقلام العربية المترجمة له. فقد جاءت معظم الترجمات العربية في كتب لا تتعدى عدد صفحاتها الخمسمائة صفحة وبعدد من الكلمات لا تتعدى المائة ألف كلمة، وبعض الترجمات جاءت بصفحات أقل بلغت بعضها أقل من مئتي صفحة بحدود الخمسين ألف كلمة: ولحسن حظ القارئ العربي فهناك ترجمة وحيدة للأديب منير البعلبكي جاءت في توازى مع الأصل الفرنسي في خمس مجلدات دون إفراط بكلمة واحدة في مهمة الترجمة. كلنا قرأ «البؤساء» ومعظمنا، إن لم يكن كلنا، قد قرأ «البؤساء» مبتورًا الى مستويات الاغتيال، وهذا البتر - الاغتيال لعمل أدبي عظيم يحمل بؤسًا مضافًا الى البؤس في «البؤساء» تحمل عنائها القارئ العربي الذي إعتقد جهلا أنه قرأ «البؤساء»، بينما قراءته لم تتعدِ العشرين بالمائة من المجلدات الخمس. كان أجدر بالمترجمين أن يفتتحوا ترجماتهم بمقدمة تبين أن الترجمة اختصار متواضع لصرح عظيم، حتى يعرف القارئ الحقيقة ويسعى إلى البحث عن «البؤساء» في كامل حلته العظيمة، ومع المترجم يتحمل الناشر كذلك وزر تجهيل القارئ عن حقيقة الترجمة التي لم تراعِ الأمانة في الترجمة والإخلاص مع القارئ، ويؤسفني أن أستنتج هذا الرأي المؤلم الذي يفيد أن القارئ العربي، إن لم يكن قد قرأ ترجمة الأديب منير البعلبكي، فإنه لم يقرأ «البؤساء»، وهذا هو بؤس هذا القارئ العربي، وأضيف على هذا الرأي اقتراحًا ملبسًا بوصية، وهو أن «البؤساء» رسالة إنسانية خالدة وأنه من لوازم اللزوم على الانسان أن يقرأ «البؤساء» ويتفقه منه فقهًا إنسانيًا عميقًا وجميلاً، فتحية تقدير وإجلال للشاعر الفرنسي العظيم فيكتور هوغو.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا