النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عبدالحسين عبدالرضا روحٌ في ذمة الله وحفرٌ في لوح التاريخ

رابط مختصر
العدد 10362 الثلاثاء 22 أغسطس 2017 الموافق 30 ذي القعدة 1438

حياة الإنسان إما حفر في الرمل أو حفر في الحجر، والكثرة الغالبة حفرها في الرمل، والقلة القليلة المنتخبة حفرها في الحجر، والفنان الكبير عبدالحسين عبدالرضا هو من تلك النخبة التي حفرت تاريخ حياتها بإنجازاتها المنيرة في صلابة الحجر.
الكويت أرض حاضنة منذ أن عرفها أبناء الخليج والعرب، وهي وطن لنا جميعًا بموازاة وطن المولد، أزورها دومًا لأني أحبها ولي فيها أحبة وأعزة، وكأني كنت على موعد مع ذاك القدر الذي نطق بكلمته الختامية بشأن الفنان الكبير عبدالحسين عبدالرضا، حينها كنت زائرًا عند الأحبة في مدينة الفنطاس عندما فاجأنا الخبر الذي أحزن الكويت كلها ومعها أبناء العرب والخليج، كانت زيارتي للكويت موعدًا خطه القدر لأكون بالقرب من مركز الحدث المفجع، لأكون بالقرب من الأخوة والأخوات في الكويت في انتظار وصول جثمان فنان العرب الكبير، ليوارى في تراب أرض أحبها وأحبته، ومن بعد يتوافد أبناء الكويت على مسجد الدولة الكبير لتقديم واجب العزاء بحضور الدولة كلها وعلى رأسها الأمير الشيخ صباح الأحمد آل صباح حفظه الله ليكون في مقدمة الذين يستقبلون المعزين... هكذا تكرم الكويت بقيادة أميرها الحكيم أبناءها البررة، أبناؤها الذين خدموا الكويت ورفعوا من شأنها، إن الوحدة بين القيادة والشعب تتمثل في أبهى حللها عندما يقوم أمير البلاد بدور الأب الحنون لأبناء الوطن...
خرج الفنان الكبير من دروازة (باب) عبدالرزاق بفريج العوازم ليدخل باب (دروازة) التاريخ ويصبح صفحة ناصعة في ذاكرة الإنسان الخالدة...
في الزمان الذي فقه فيه فناننا الكبير الفن في الحياة كان الفن، وفن التمثيل والمسرح والسينما، حكرًا على مصر، أرض الكنانة، أرض الفراعنة والتاريخ كله، فراوده الفكر من حب الفن أن يفتح للكويت بابًا الى عالم فن التمثيل، فانطلقت من تفاعلات فكره وحبه العزيمة، ومن العزيمة الى الفعل، على تأسيس الحركة الفنية في الكويت مع جمع من صحبه من عشاق الفن، وهم أخوته الفنانون الكبار المعروفون خالد النفيسي وعلي المفيدي وسعد الفرج وابراهيم الصلال وغانم الصالح وغيرهم...
إطلالته الأولى على خشبة المسرح كانت عام 1961 في مسرحية «صقر قريش» وكانت باللغة الفصحى، وكان بارعًا في أدائه الفني، فن التمثيل المسرحي، واستحق النجاح الملفت للأنظار، حتى أن المخرج المصري الكبير زكي طليمات انبهر بأداء هذا الشاب الوارد من ظهر غيب على عالم التمثيل، لأن الفن مغروس متجذر في روحه فليس من عجب أن يبهر كبار الفنانين في أول إطلالة له على خشبة المسرح، هذه الخشبة المسرحية التي أربكت الكثيرين من المتمرسين، وأذلت الكثيرين من المبتدئين، وأجهدت الكثيرين من المحترفين، كانت ساحة متلهفة حاضنة للفنان الأصيل في خطواته الأولى على سطح تلك الخشبة الساحرة... إن فطرته الفنية أوجبت وألزمت أبواب الفن أن تنفتح له دونما تردد ولا تحفظ، فانطلقت من مخزونه الفطري الاعمال الفنية المتعددة من مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية استحقت بجدارة أن تكلل بالجوائز من وطنه الأم الكويت ومن بيته الخليجي ومن عالمه العربي، لقد أصبح بحق شعاعًا فنيًا محسوسًا مهضومًا محبوبًا مفضلاً من مياه الخليج الى مياه المحيط...
إن أعماله الفنية من مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية وأوبريت كثيرة وهي كلها معروفة للقاصي والداني، وليس هنا مجال استعراضها، ولكن لا بد من كلمة موجزة بحق المسلسل التلفزيوني «درب الزلق» الذي استحضر صفحة من تاريخ الآباء الكبار الأوائل الذين بهم ومنهم انطلقت الكويت الى آفاق دولة عصرية لها مكانتها بين الدول واحترامها بين الامم، وهذا المسلسل هو حديث جميع العرب منذ ولادة المسلسل الى هذا اليوم الذي فجعنا فيه بتسليمه أمانة الروح.
تصفه الأقلام والأفواه والألسن بأنه أبو الكوميديا وأيقونة الكوميديا، وهذا وصف غير مكتمل فيه شيء من الإجحاف بحق إنسان فنان تخطى عتبات الكوميديا إلى آفاق الرسائل بألوانها الوطنية والقومية والإنسانية، لقد اتخذ الكوميديا نهجًا لإيصال رسائله، وليس هدفًا للترفيه الكوميدي عن جمهوره، وما الكوميديا بالنسبة إليه في أعماله سوى الطريق الأيسر لإيصال أفكاره التنويرية والنبيلة الى جماهير الشعوب العربية قاطبة... إن الكوميديا توصل الرسائل أسرع من الحكمة، والحكمة توصل رسائلها أسرع من الكلمة الجدية الجامدة، هذا هو الدرس الذي كان يستوعبه الفنان الكبير عبدالحسين عبدالرضا، فهو بهذا المنطق لم يكن فنانًا كوميديًا، ولكنه كان فنانًا صاحب رسالة يوصلها الى أصحابها على ظهر الكوميديا...
الفنان عبدالحسين عبدالرضا لم يكن مجرد فنان كبير، بل كان وطنيًا بامتياز، تعدت وطنيته حدود وطنه الأم الى البعد العربي، ذاك البعد بكل آماله ومآسيه، وهذه الوطنية ببعدها العربي هي التي حفزته ودفعته وشجعته ليكون أحد المتطوعين للذود عن أرض الكنانة مصر ضد العدوان الثلاثي الغاشم عام 1956، فقد تجمعت ثلاث دول، بريطانيا وفرنسا واسرائيل، وأغارت بكل ما أوتيت من جبروت القوة العسكرية على مدن مصر، فلم يستطع فناننا صبرًا، بل تطوع علَّ في التطوع لمصر وللعرب خيرًا.
 إن لفن هذا الفنان الكبير بُعدٌ وطني عمقه البعد العربي كله، فقد كان مثالاً حيًا فاعلاً لإذابة وإزالة كل الحواجز بين الكونتونات الطائفية والقبلية والعرقية، كان كويتيًا بامتياز دون حواجز، ووطنيًا بعمق الحب والولاء...
فنان من نبت تربة فنية، فأخوه أمير فنان تشكيلي وله أعمال مسرحية بفن الدمى بشخصية «بو زعلان»، وابن أخيه هو الممثل علي محسن، والمغرد بالقصيد على أوتار النغم ابن عمه غريد الشاطئ، وما كان لهذه التربة التي هو منها إلا أن تنبت فنانين، فابنه الصغير بشار يعمل في المجال الفني وله محاولات في كتابة الشعر ويعمل في إعداد البرامج التلفزيونية، وابنته منال فنانة تشكيلية...
سلم عهدة الثقافة الى جيل اليوم، ومن ثم سلمت الأقدار أمانة روحه الى بارئها، وأضحى، بعد أن تحول من حاضر الحياة الى ذاكرة التاريخ، صفحة في حياة كل كويتي وكل خليجي وكثير من العرب...  ما أن دخل الفنان الكبير التاريخ من أبوابها المضيئة وتباكت نفوس أخيار الناس، وهم كثر كثر، على فقدانهم شمعة من إضاءات الفن والثقافة، حتى تنافثت أفواه الجهل الحاقد، وهم قلة من قلة حقيرة تافهة، بأنواع السهام والسموم لتنال من مكانته في نفوس الناس وتلوث إنجازاته في الفن والثقافة... ولكنه أعظم من أن تصبه سهام الجهل من ثغور كهوف الماضي، وأقوى وأكثر مناعة من أن تنال منه سموم الحقد من أفواه الزواحف والثعابين... فسهام الجهل الحاقد ترتد على أصحابها، وسموم الزواحف والثعابين تبتلعها أصحابها... وهذا هو مصير الحاقدين والغادرين...
إن الشعوب العربية من سواحل الكويت على مياه الخليج الى سواحل المغرب على مياه المحيط تفتقده وتبكيه وتترحم على روحه الطاهرة وتتضرع الى الله أن يسكنه حيث أحبه الله وأخيار الناس، وهو أهل بهذا السكن الطاهر الخالد...
رحم الله الفنان الكبير الحبيب عبدالحسين عبدالرضا، فقد كان فنانًا نادرًا بالبعد الوطني والعمق القومي والأفق الإنساني...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا