النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

أصوات نشاز..!!

رابط مختصر
العدد 10362 الثلاثاء 22 أغسطس 2017 الموافق 30 ذي القعدة 1438

بين الوقت والآخر قد تفيد مثل هذه الأصوات النشاز هنا أو هناك، حتى وإن بلغت حدود الابتذال والصفاقة، أقله أنها أولاً تنبهنا الى وجوب اليقظة والتصدي لهؤلاء الذين يصرون على نهجهم التعبوي المستدام من أجل الإبقاء على ماكينة الشحن الطائفية والتشطيرية على مداها دون ضوابط أو لواجم، وثانيًا أنها ترسخ القناعات بأن أصحاب المآرب، الجامحين في سبيل مصالحهم، والذين يرعون وعبر كل الوسائل حملات استثارة العصبيات الفئوية والمذهبية والطائفية، ويراكمون لنا الأسوأ سوف لن يتوقفوا يومًا عن دفعنا وبصلافة نحو الأكثر سوءًا، نحو إسقاطنا في أتون فتن لا قاع لها، وثالثًا أن ردود الفعل تجاه تلك الأصوات تثبت وهو أمر جدير بالانتباه والحفاوة، أن هناك ومن كل الأطياف والمكونات في مجتمعاتنا الخليجية من أثبتوا أنهم على قدر كبير من الفطنة والوعي والهمة حين أعلنوا رفضهم لكل ركام الاحتواءات والإفرازات الطائفية والمذهبية في حياتنا العامة، وأن هناك سدًا منيعًا بوجه هذه الأصوات النشاز، ووجدنا تجليات ذلك من خلال مواقف وفزعات وبيانات باسم شخصيات ونخب ومثقفين وفنانين من اكثر من بلد خليجي كلها معبرة عن رفض ما قام ويقوم به العابثون وأصحاب المكائد الصغيرة والكبيرة، ومن يريدون أن نسير خلفهم كالقطعان، لا نجيد إلا لغة الحقد والكراهية والعصبية وبطريقة فائقة الفجاجة، وأن نمضي نحو المزيد منها واستحضار الذرائع لها، هؤلاء أحسب أنهم فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم، وهي أن هناك كثرا من الناس من لم يسلموا، ولم يكونوا على طريق التسليم يومًا لأن يزج بهم الى منزلقات تفت من عضد مجتمعاتنا وتغذي إثارة النعرات في صفوف أبنائها ويجرهم الى ما لم يكن محمود العواقب في يوم من الأيام.
من رصد وتابع وعاين وحلل ردود الفعل إزاء ما بثه من يحمل رتبة داعية إسلامي ولقب دكتور بأنه «لا يجوز الترحم على الفنان الكبير الراحل عبدالحسين عبدالرضا والدعاء له»، والأصوات الطائفية التي لاهم لها الا الحكم على الناس وتصنيفهم ونبذهم وتكفيرهم، التي توالت وأساءت من منطلق طائفي الى هذه القامة الفنية الكبيرة، ويتمعن في طبيعة ردود الفعل في الكويت، والبحرين، وكل بلدان المنطقة، يفاجأ بحجم أشكال الرفض والشجب والاستنكار والإدانة التي توالت من كل الأطياف والمكونات وبشكل من الخطأ الفادح الاستهانة به والتهوين من شأنه، فمن حيث المعنى أن هناك أصوات احتجاج قوية بمواجهة كل خطابات الشحن والتأجيج والحقد والكراهية التي بثت عبر بعض المواقع، وبعض فضاءات التواصل الاجتماعي، وإدانة من يقف خلفها ومن يغذيها، أصوات رافضة محاولات من يريد أن نتربى على المناخات التأزيمية، أن نعتاد عليها ونألفها، ونركن اليها، وأن نظل ندافع عن كل أنواع التلوث في واقعنا وكأنه دفاع عن النفس، أصوات أكدت بحزم ودون مواربة رفضها لخطاب الكراهية، كما أكدت عزمها على مواجهة من لا يريد أن تكون بلداننا متحررة من قيود الأنانيات الطائفية، وهذه حالة تستحق الحفاوة، ونحن معنيون بإثباتها وترسيخها، ومواجهة من يريد أن يفرغها ويفرغ كل خطوة ايجابية في هذا الاتجاه من مضمونها.
ردود الفعل هذه رسالة موجهة الى من ينتحلون صفات الوطنية ويحملون صكوكها ليمنحوها أو يمنعوها على من يشاؤون، ومعهم أولئك الذين يفترضون أن نكون أسرى الرابط المذهبي والطائفي، يصرفون من رصيد الطائفية، ولا شرعية لهم سواها، شرعيتهم مستمدة من طائفيتهم، ينفخون في نار التشطير وشق الصف الوطني ويثيرون النعرات والفتن، وتسفيه أفق العيش المشترك وضرب السلم الأهلي في الكويت والمنطقة، رسالة يجب أن يستوعبها جيدًا كل الأطراف دون استثناء، رسالة معبرة في الجزئيات والتفاصيل والإجمال بان لدينا قدرة على التعافي من فيروس الطائفية والمتعصب والانغلاق والغوغائيات وكم هو رائع شعور المرء بأن كثيرا من الناس هم اليوم أكثر استعدادًا للبدء بعملية تنظيف تزيح الوحل الذي وللأسف غطى على مساحة واسعة من واقعنا، وأصبحوا أكثر جاهزية لنقض وتقويض محاولات من يريدون أن نكون طوع بنانهم، وأن نكون خدامًا وحواشي وأتباعًا لأهوائم ومخططاتهم.
علينا أن ننبه الى أنه لن تغرينا مواقف شيوخ الكراهية، أولئك الذين صمتوا أو تحدثوا بلغة مواربة، أو غيروا جلدهم بين ليلة وضحاها، خوفًا أو ترددًا بعد أن فوجئوا بردود الفعل الغاضبة، وبعد مطالبات بتشديد العقوبات على مثيري النعرات العنصرية والطائفية، وهم الذين ألفناهم يملكون قوة خارقة على التلون وضخ الأزمات واستعادتها لإعادة إنتاجها والتسلح بها بشكل أكثر فضاضة، مواقف هؤلاء مواربة وانتهازية ينطبق عليها كلام الدكتورة إلهام المانع:
شيوخ الكراهية.. طيور كالغربان تنعق في الظلام.. تكره الإنسان.. تصنفه في درجات تقول إن الرحمة لا تجوز على من يختلف عنها.. ولا تجوز إلا على صنفها كأنها تتحدث باسم الرحمن.. تحمل مفاتيح الجنة في يدها تقول لنا، أنا من يدخلكم اليها فأدخلت الجحيم الى مجتمعاتنا، ثم تقولون داعش لا تمثلنا..!!
لا جدال في أن كل أجواء ومشاعر الحزن والصدمة التي انطلقت بغير تحفظ برحيل الفنان عبدالحسين عبدالرضا، في الكويت، والبحرين، والسعودية، وفي بلدان المنطقة العربية، وكل الإشادات التي لم تنتهِ من جانب كل من عرف أو سمع أو تابع هذا الفنان، إبداعه، وعطاءه، ومواقفه، ومناقبه، ومكانته، وحسه الوطني، وتجاوزه لكل الانتماءات المذهبية والمناطقية وسواها، ورفضه لكل الاستقطابات والفئويات، والجموع الغفيرة التي توافدت من كل مكان لتودعه الى مثواه الأخير، الى جانب كل ما قيل وكتب عن مشواره الفني وقيمته الفنية، وحالة الإجماع بأن «فنّه جمّع وفراقه وحّد»، وكل ردود الفعل المناهضة لخطابات العنف والكراهية من جانب من ليس أفدح منهم في واقعنا، كل ذلك أمر يجب أن يستثمر عبر جهد مجتمعي يذهب بنا نحو واقع معافى يقوى باجتماع الاختلافات الفكرية والسياسية والطائفية، اختلافات يجب أن يقتنع الجميع بأنها لا تبرر القنوط والسلبية والتطرف، جهد مجتمعي يعبر بأن السكوت على واقع تلوثه اللعنات الطائفية هو أيضا بمثابة المشاركة فيه ولا يجب ان يعفي احد نفسة من المسؤلية.. هذه هي الحقيقة بأكبر قدر من التبسيط..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا