النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

الاستعمار السوفيتي.. نغمة شاذة

رابط مختصر
العدد 10355 الثلاثاء 15 أغسطس 2017 الموافق 23 ذي القعدة 1438

الدولة السوفييتية خرجت من رحم ثورة أكتوبر 1917 بقيادة المفكر الماركسي الثوري لينين الذي أكمل كتاب «رأس المال» لكارل ماركس بدراسته العميقة حول النظام الرأسمالي «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية»، وقد بنيت الدولة السوفييتية في روسيا على أساس تجاوز النظام الرأسمالي في أضعف نقاطه الى نظام اشتراكي على أساس المبادئ الماركسية، أي الاشتراكية العلمية.
وهذه الدولة الاشتراكية الوليدة تشكلت مع انتهاء الحرب العالمية الأولى التي وصفها لينين في كتابه «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» بأنها «... حرب غزو ونهب ولصوصية، حربًا من أجل تقاسم العالم، من أجل اقتسام وإعادة اقتسام المستعمرات ومناطق نفوذ الرأسمال المالي والخ...».
فالدولة السوفييتية تشكلت أساسًا ومنذ نشأتها تحت قيادة لينين على أن تكون النقيض للانظمة الرأسمالية، على النقيض من الرأسمالية التي تختلق الحروب وتغزو الدول الضعيفة من أجل الاستحواذ على ثرواتها، فهي قامت لبناء صرح اقتصادي اجتماعي وطني يهدف الى تلبية حاجيات المجتمع وتحسين متطلبات تلك الحاجيات دون الحاجة الى مبدأ الربحية التي هي أساس الرأسمالية، والربحية هي في الأساس اقتطاع من حق المجتمع يستحوذ عليه نخبة من أصحاب رأس المال الذي يملكون وسائل الإنتاج، ومن هذا الموقع الاقتصادي يتحقق لهم النفوذ السياسي، والتأثير على السياسيين لشن الحروب وبسط النفوذ الاستعماري خدمة لكبار الرأسماليين في الدول الرأسمالية، فالبون بين الدولة السوفييتية والدول الرأسمالية (الاستعمارية) واسع ومختلف نوعيًا وطبيعيًا.
وبالنسبة لعلاقة الدولة السوفييتية مع دول العالم وشعوبها مقارنة بالدول الرأسمالية، فالاختلاف نوعي، حيث أن الدول الرأسمالية هي التي خرجت من حدودها الوطنية لتغزو دولاً أخرى وتستعمرها وتنهب ثرواتها وتذل شعوبها، فالاستعمار سلوك رأسمالي يحتمه مبدأ الربح وهذا السلوك هو من طبيعة هذا المبدأ، وما هو بسلوك عفوي او كيفي على هوى طيش الرغبات، وأنظمة الحكم في الدول الرأسمالية هي أدوات تنفيذية، سياسية وعسكرية، تخدم متطلبات الشركات الرأسمالية الكبرى، الكبيرة الى درجة الجبروت، حيث إن بعض هذه الشركات قامت، هي نفسها وبدعم مباشر وغير مباشر من الدولة، بانقلابات في الدول المستهدفة، وتغيير أنظمة الحكم فيها، هذه هي الدولة الاستعمارية، بينما الدولة السوفييتية، كانت دولة وطنية مركزية، لم تكن أسيرة ولا خادمة لطغمة مالية ولا لبارونات الشركات الرأسمالية العملاقة، كانت تعمل على بناء نظام اشتراكي يناهض النظام الرأسمالي ويساعد الدول التي ترزح تحت نير الاستعمار من نيل حريتها والتخلص من الاستعمار، وقد كانت للدولة السوفييتية مساهمات جوهرية في هذه المهمة التحررية، وبالتعاون مع بعض الانظمة الوطنية وعلى رأسها في عالمنا العربي الجمهورية العربية المتحدة (مصر) بقيادة الزعيم العربي جمال عبد الناصر. الدولة السوفييتية كانت تدير شؤون الاقتصاد والسياسة خدمة للشعوب السوفييتية ودعما لاستقلالية الدول الوطنية ومساهمة في دفع الدول المستعمرة الى التخلص من الاستعمار..
فالدولة السوفييتية كانت الشريك القوي والمخلص مع قيادات وطنية مستقلة مثل الزعيم جمال عبدالناصر في مسيرة تحرر الشعوب من نير الاستعمار وهيمنة (الإمبرياليات).
 هكذا كانت الدولة السوفييتية منذ نشأتها الى أن تم إغلاق صفحتها، وتحولها الى روسيا الاتحادية، روسيا جديدة بنظام رأسمالي فتي يتوازى وينافس الدول الرأسمالية العريقة. ومع روسيا اليوم فان العالم لا يتعامل مع دولة اشتراكية، بل مع دولة رأسمالية تتمتع بكل صفات الرأسمالية، ومبدأ الربح فيها يحتم طبيعة سلوكها الوطني والعالمي.
ومع كل هذه الحقائق الموضوعية والمبدئية وما تشهده الوثائق والدراسات الموضوعية غير المغرضة وغير المعادية، يطل علينا الاستاذ (الرفيق) عبيدلي العبيدلي بمقال في جريدة الايام (الأحد 30 يوليو 2017) يصف فيها الدولة السوفييتية بالاستعمار، بناءً على الدور السوفييتي في أفغانستان واليمن، وكيف أن الدولة السوفييتية شأنها شأن الدول الاستعمارية كانت تستعين «بالشعارات البراقة، التي تداعب مشاعر الشعوب وتؤجج عواطفها، وكان الاستعمار السوفياتي الأكثر براعة في ذلك. فقد استفادت المؤسسة السوفييتية الحاكمة، في مراحل صراعها مع (ضد) الإمبرياليات الصاعدة، من حركات التحرير المناهضة لتلك الإمبرياليات في صراعها على اقتسام مناطق النفوذ فيما بينها. وفي التجربتين الافغانية واليمنية أمثلة دامغة تكشف الجوهر الاستعماري للتوسع السوفييتي» - انتهت كلمات الاستاذ (الرفيق) عبيدلي العبيدلي..
واضح جدًا أن الاستاذ (الرفيق) بمقاله المعنون «الاستعمار الذاتي!» أراد فقط أن يبرهن على «استعمارية الدولة السوفييتية»، لأن هذا هو الجديد في تهافت الكلمات في المقال، والبقية الباقية من المقال تحصيل حاصل لأنه ليس فيه من جديد.
الجزء الجديد في المقال، والذي نقلته نصًا أعلاه، يحمل تناقضات واضحة تكشف مدى ارتباكه وهو يكتب ما لم يكن يؤمن به، وقد لا يكون من المؤمنين به اليوم، ولست بصدد كشف هذه التناقضات لأن أي قارئ بامكانه إكتشافها.
 إن هذا الجزء الجديد الذي يساوي فيه كاتب المقال بين الدول الاستعمارية التي نهبت ومازالت تنهب ثروات الشعوب، والدولة السوفييتية التي ساعدت الشعوب في التخلص من الاستعمار، هو تشويه مقصود أكثر من كونه استنباطًا فكريًا في عملية تحليلية قيست فيه عناصر الموضوع بدقة موضوعية دون ميل الى تاثيرات خارجية معادية للفكر الاشتراكي عامة والماركسي خاصة.
الاستاذ (الرفيق) كاتب المقال لم يوفق في طرحه إذا كان يبتغي الاجتهاد الفكري، لأنه من حقه أن ينتقد التجربة السوفييتية، خاصة وأن التجربة لم تحظَ بالاستمرارية، إلا أنه ليس من حقه تشويه تجربة كانت تسعى إلى خوض صراع تاريخي ضد الظلم المتمثل في جور الإمبرياليات ضد الشعوب، والعمل على دعم التعاون الاممي بين الشعوب بدل التصارع بين الشعوب، وبالنتيجة تأمين السلام العالمي ورخاء الشعوب.
وكون التجربة لم تتمكن من الاستمرارية، نتيجة لظروف داخلية وخارجية، فهذا بالبديهة يفتح الأبواب على مصراعيها لأعداء التجربة الاشتراكية الأولى في التاريخ البشري للنيل من التجربة ووصفها بأقذع الاوصاف، ولكن ليس من المتوقع ممن حمل سلاح النضال ذات يوم من أجل التحرر والاستقلال أن يدخل من ذات الباب الذي فتحه أعداء الاشتراكية والماركسية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا