النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

قطر الشقيقة.. الواقع المر (7)

رابط مختصر
العدد 10355 الثلاثاء 15 أغسطس 2017 الموافق 23 ذي القعدة 1438

غرقت منطقة الشرق الأوسط منذ (5 يونيو 2017م) في أصعب المواجهات السياسية والدبلوماسية في تاريخها الحديث والتي كانت نتاج طبيعي للسياسة القطرية الرعناء وما قامت وتقوم به على مدى سنوات طوال من احتضان قيادات الإرهاب وتمويل عملياته والإشراف على بعضها وتوفير الدعم المعنوي واللوجستي لمخططيها ومنفذيها بتنسيق وتعاون جهات وشخصيات قطرية رسمية معروفة، وتوفير كافة التسهيلات للإضرار بأمن واستقرار المنطقة، والمكابرة أمام مطالبات الدول المتضررة من تلك السياسة الطائشة لعودتها إلى المظلة العربية والخليجية.
لتسقط المنطقة تدريجيًا بين فكي المنتفعين من هذه الأزمة والذين وجدوا فيها فرصة ذهبية لبث سمومهم وصب الزيت على النار لتحقيق المزيد والمزيد من المكاسب والقضاء قدر الإمكان على ما تبقى من روح أخوية جميلة لطالما جمعت الشعوب العربية والخليجية، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية بمواقفها الضبابية من جانب، والأطماع الإيرانية التاريخية لبسط النفوذ الشيعي على البلاد العربية من جانب ثانٍ، وتركيا التي أوجدت لها موطئ قدم من خلال قاعدة عسكرية تركية في قطر تحقق أحلام أردوغان في إعادة الخلافة الإسلامية إلى الحياة من جانب ثالث، لتضاف على ذلك كله مجموعة من الساسة والصحفيين والكتاب فقراء المنطق وبُعد النظر والذين لم يجدوا سوى إثارة شقة الخلاف والفرقة بالحديث عن الخلافات القديمة التي عصفت بتاريخ الخليج ولم يعدْ لها وجود.
إن الخليج العربي والمنطقة العربية عمومًا لا تحتمل مزيداً من الأزمات، فما يموج به العالم من صراعات وحروب له ما يكفي من الانعكاسات الخطيرة على المنطقة، لذلك لا بد من النظر بواقعية في الأزمة الخليجية الراهنة، والإسراع لاحتوائها وتفعيل الحل المناسب لها والمرتكز على قيام قطر بتنفيذ ما ورد في اتفاق الرياض والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية عام (2014م) الذين وافق عليهما آنذاك سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ويتضمنان أكثر من (80%) من المطالب التي قدمتها الدول المقاطعة إبان تفجر الأزمة لمعالجة المشاكل الناتجة عن التصرفات القطرية غير المقبولة وغير المسؤولة التي تعرض أمن واستقرار دول الخليج للخطر الشديد كونها هي المستهدفة من التخريب ونشر الفوضى من قبل أفراد وتنظيمات إرهابية مقرها الدوحة أو مدعومة من قبلها، وهو عين ما دعا إليه وزراء خارجية الدول المقاطعة في اجتماعيهم المنعقدين في القاهرة والمنامة خلال شهر (يوليو 2017م)، حيث أبدت الدول الأربع استعدادها للحوار مع دولة قطر شريطة إعلانها رغبتها الصادقة والعملية في وقف دعمها وتمويلها للإرهاب والتطرف ووقف نشر خطاب الكراهية والتحريض والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
إن على قطر مسؤولية تاريخية في تفادي انهيار مجلس التعاون كمنظومة إقليمية ناجحة حققت الكثير من الإنجازات على مدى (36 عامًا) منذ تأسيسها، واستطاعت أن تشكل ثقلاً سياسيًا واقتصاديًا دوليًا له تأثيره ومكانته عبر إعادة بناء جسور الثقة المفقودة مع شقيقاتها دول المجلس، والوقوف معها ومع المجتمع الدولي في جهود مكافحة آفة الإرهاب الذي تسبب في خلق حالة خطيرة من انعدام الأمن والاستقرار الداخلي، وشكل تهديدًا كبيرًا على كيانات دول الخليج بسبب الدعم المالي والإعلامي الذي تقدمه قطر للمجموعات الإرهابية.
إن واقع الأحداث وما آلت إليه الأوضاع في المنطقة يثبت أنه ليس من السهولة تجاوز ما مرت به على مدى عشرين عامًا نتيجة السياسات القطرية العدوانية، إلا أن ذلك ليس مستحيلاً، ويمكن أن يتم حال توفر الرغبة الصادقة والالتزام الأدبي بتنفيذ الوعود والتعهدات والأخذ بعين الاعتبار حماية الأهداف والمصالح الأمنية الخليجية والعربية المشتركة بغض النظر عن التحفظات ذات الخلفية التاريخية والنظرة الضيقة للمصلحة الوطنية الآنية، فالتحديات والتهديدات والأطماع التي تحيط بالجميع واحدة وثابتة تاريخيًا ولا تستثني دولة عن أخرى، والخطر المحوري والتهديد المباشر يكمن في فشل إدارة الأزمة الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاط دول مجلس التعاون في دائرة التغيير وبدء المرحلة الثانية من الربيع العربي.
ومن هنا لا يمكن التعويل على القوى العظمى في ضمان أمن منطقة الخليج والمنطقة العربية عمومًا، فمصالحها التاريخية والاستراتيجية هي بوصلة تحركاتها وتحالفاتها، وبالتالي فإن أمن دول مجلس التعاون وتخفيف التوتر في الداخل الخليجي يعتمد على عدة مبادئ لا يمكن الحياد عنها، وهي:
1. تعزيز مبادئ حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والمشاركة الشعبية الفاعلة في الحكم، على نحو يستشعره المواطن الخليجي خلال حياته اليومية، ويؤكد تثبيت حكم القانون والعدالة والمساواة وأسس الحكم الرشيد.
2. خلق تحالفات جديدة مع القوى الدولية وإيجاد حالة من التوازن الاستراتيجي بينها بما يحقق المصالح المشتركة.
3. ترتيب البيت الخليجي بوضع الآليات التنفيذية لتفعيل (هيئة تسوية المنازعات) المنصوص عليها في المادة العاشرة من النظام الأساسي للمجلس للنظر في أي خلافات أو تجاوزات تقوم بها أي دولة عضو من دول المجلس في المجال الأمني أو السياسي أو الاقتصادي وغيرها.
4. توحيد الخطاب السياسي الخليجي حيال القضايا الدولية والإقليمية بما يكفل تحقيق المصالح العربية وتدعيم مكانة الأمة العربية على الساحة الدولية.
إن اختلال أوضاع منطقة الخليج هو عامل جذب للقوى المعروفة بأطماعها التاريخية كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيران وتركيا، خصوصا في ظل ضعف البيت العربي بشكل عام نتيجة خطة (الفوضى الخلاقة) الهادفة لتغيير الأنظمة العربية القائمة إلى أنظمة تعددية ديمقراطية تحت شعارات فضفاضة كحماية حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة والإصلاح السياسي والاقتصادي، والتي سقط على إثرها عدد من الأنظمة العربية في بحر الفوضى السياسية والأمنية المستمرة حتى اليوم، لتصبح المنطقة اليوم في حاجة ماسة إلى:
- حشد الجهود الدبلوماسية لإعادة قطر إلى مكانها الطبيعي في منظومة العمل العربي والخليجي المشترك عبر تسوية الخلاف تسوية شاملة قائمة على أسس صحيحة وجادة تنهي الأزمة الراهنة ومسببتها بشكل تام.
- التأكيد أمام العالم ودولة قطر وعلى كافة المستويات بأن المطالب التي قدمتها الدول المقاطعة إبان تفجر الأزمة هي ذاتها الواردة في اتفاق الرياض والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية التي وافق عليهما آنذاك سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام (2014م)، وهو ما ينفي حديث قطر عن الإملاءات وحق السيادة واتهام شقيقاتها بانتهاكه، خصوصًا وأنها قامت بضغط أمريكي وفي رضوخ لمطالبات المجتمع الدولي وبعد تردد دام أكثر من عام بالتوقيع على اتفاق (أمريكي قطري) في (11 يوليو 2017م) يتناول خطوات مكافحة الإرهاب، ويأتي تواجد الخبراء الأمريكان في بنك قطر المركزي لمراقبة حركة تحويل الأموال للخارج ضمن سياقه.
- استئناف العمل في مختلف أجهزة الأمانة العامة لمجلس التعاون في الرياض، ومواصلة اتصالاتها بالمنظمات والمؤسسات الأوروبية والآسيوية، واستمرار عمل لجان المجلس بعيدًا عن النقاط المتعلقة بالأزمة الحالية، وذلك في سبيل تعزيز مكانة المجلس ودوره الهام في إعادة الثقة بين شعوب دول مجلس التعاون.


المحلل السياسي للشؤون الإقليمية
 ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا