النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الدستور البحريني (1ـ2)

رابط مختصر
العدد 10354 الإثنين 14 أغسطس 2017 الموافق 22 ذي القعدة 1438

إن مبدأ المساواة هو حجر الأساس لكل مجتمع ديمقراطي يتوق إلى العدل الاجتماعي وحقوق الإنسان، وهو أحد العناصر الأساسية لحماية حقوق الإنسان فهو وسيلة إجرائية للمحافظة على سيادة القانون. فحقوق الإنسان للمرأة هي جزء غير قابل للتصرف من حقوق الإنسان العالمية وجزء لا يتجزأ من هذه الحقوق ولا ينفصل عنها. وإن مشاركة المرأة مشاركة كاملة – وعلى قدم المساواة – في الحياة المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، واستئصال جميع أشكال التمييز على أساس الجنس، هما من أهداف المجتمع الوطني ذات الأولوية.
ويشكل التمييز ضد المرأة انتهاكًا لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان وعقبة أمام مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لبلدها، وبالتالي فإنه ينعكس سلبًا على نمو ورخاء المجتمع والأسرة، ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لإمكانات المرأة في خدمة مجتمعها والبشرية.
وقد أكدت ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) 1979 – والتي انضمت إليها مملكة البحرين بموجب المرسوم بقانون رقم (5) لسنة 2002 – في ديباجتها بأن التمييز ضد المرأة يشكل انتهاكًا لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان وعقبة أمام مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل في حياة بلدها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي فإنه ينعكس سلبًا على نمو ورخاء المجتمع والأسرة، ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لإمكانات المرأة في خدمة بلدها والبشرية. كما عرفت الاتفاقية ذاتها في المادة (1) مصطلح «التمييز ضد المرأة» بأنه «أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف للمرأة، على أساس تساوي الرجل والمرأة، بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق أو تمتعها بها وممارستها لها بغض النظر عن حالتها الزوجية».
يعتبر تحقيق المساواة بين الجنسين – بما يشمل التكافؤ في الحصول على التعليم الابتدائي بين البنات والبنين، والرعاية الصحية، والعمل اللائق، والتمثيل في العمليات السياسية والاقتصادية واتخاذ القرارات – الهدف الخامس لأهداف الألفية الإنمائية السبعة عشر التابعة للأمم المتحدة.
وإن مبدأ المساواة بين الجنسين لا يشكل حقًا أساسيًا فحسب، وإنما أيضا أحد الأسس الضرورية اللازمة لإحلال السلام والرخاء والاستدامة في العالم، لأنه جوهر العدل والحرية وسنام السلام الاجتماعي.
يعرف مبدأ المساواة أنه «خضوع كافة المراكز القانونية المتماثلة لمعاملة قانونية واحدة، على نحو يتناسب بطريقة منطقية وفقًا للهدف الذي توخاه القانون، ويتحقق المبدأ بتقرير معاملة قانونية مختلفة للمراكز القانونية المختلفة، أو بسبب يستند إلى المصلحة العامة إذا كان ذلك كله متفقًا مع الهدف الذي توخاه القانون».
ويقصد بمبدأ المساواة ايضًا عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية. وعلى ذلك، فإن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون لا يعني أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة. فشرط المساواة يتطلب معاملة متساوية في عملية التشريع، ذلك الأخير الذي تنهض مهمته الأساسية على وضع الحدود والفواصل لمعاملة الأفراد ذوي المراكز القانونية المختلفة معاملة مختلفة، وبالتالي فإن الإشكالية تكمن في ذلك الحد الفاصل بين ما يعد تصنيفًا مسموحًا به دستوريًا، وذلك الذي ينطوي على معاملة تمييزية، فشرط المساواة في الحماية لا يعني أنه يجب معاملة كل الأفراد بطريقة متماثلة، بل يعني في المبدأ العام أن الأشخاص ذوي المراكز القانونية المتماثلة ينبغي معاملتهم معاملة متماثلة.
بمعنى آخر أن المساواة أمام القانون ليست مساواة حسابية، ولا تعني التطابق في التعامل مع المراكز القانونية المتماثلة، فالمساواة القانونية لا يجوز فهمها بمعنى ضيق، لأنها لا تعني سوى عدم التمييز في المعاملة، وهو ما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر، على أن المساواة كضمان دستوري ليست مساواة حسابية، بل يملك المشرع بسلطته التقديرية ولمقتضيات الصالح العام، وضع شروط موضوعية تتحدد بها المراكز القانونية التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون. فالمساواة تعني اشتراط التناسب في المعاملة القانونية.
وقررت المحكمة الدستورية في مصر أن المقصود من مبدأ المساواة هو عدم التمييز بين أفراد الطائفة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية. و«أن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون لا يعني أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة وأنه كلما كان القانون مغايرًا بين أوضاع أو مراكز أو أشخاص لا تتحد واقعًا فيما بينها، وكان تقديره في ذلك قائمًا على أسس موضوعية، مستلهمًا أهدافًا مشروعة، فإن ما تضمنه القانون من تمييز يكون مبررًا ولا ينال من شرعيته الدستورية».
وهو ذات الموقف الذي عبّرت عنه موقف المحكمة العليا الأمريكية من تعريف المساواة، ففي قضية تريمبل ضد جوردون سنة 1977، أشار القاضي وليم رينكويست إلى أن شرط المساواة في الحماية المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي يتطلب معاملة متساوية في عملية التشريع، ذلك الأخير الذي تنهض مهمته الأساسية على وضع الحدود والفواصل لمعاملة الأفراد ذوي المراكز القانونية المختلفة معاملة مختلفة، وأشار القاضي إلى أن الإشكالية تكمن في ذلك الحد الفاصل بين ما يعد تصنيفًا مسموحًا به دستوريًا، وذلك الذي ينطوي على معاملة تمييزية، فشرط المساواة في الحماية لا يعني أنه يجب معاملة كل الأفراد بطريقة متماثلة، بل يعني في مبدأ العام أن الأشخاص ذوي المراكز القانونية المتماثلة ينبغي معاملتهم معاملة متماثلة.
وقد أشارت المحكمة الدستورية البحرينية الى مفهوم مبدأ المساواة في أحد أحكامها والتي جاء فيه إلى أن «مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون الذي نص عليه الدستور في المادتين (4) و(18) منه، لا يعني أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كما لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية، ولا ينطوي بالتالي على مخالفة لنص المادتين السالف ذكرهما. بما مؤداه أن التمييز المنهي عنه بموجبهما هو ذلك الذي يكون تحكميًا، ذلك أن كل تنظيم تشريعي لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها يعتبر هذا التنظيم ملبيًا لها. وتعكس مشروعية هذه الأغراض إطارًا للمصلحة العامة التي يسعى المشرع لبلوغها، متخذًا من القواعد القانونية التي يقوم عليها هذا التنظيم سبيلا إليها».
  إن الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون يتحقق بأي عمل يهدر الحماية القانونية المتكافئة، سواء اتخذته الدولة من خلال سلطتها التشريعية أو عن طريق سلطتها التنفيذية، بما مؤداه أن أيًا من هاتين السلطتين لا يجوز أن تفرض مغايرة في المعاملة ما لم يكن ذلك مبررًا بفروق منطقية يمكن ربطها عقلاً بالأغراض التي يتوخاها العمل التشريعي الصادر عنها.
ويثار التساؤل حول طبيعة مبدأ المساواة، إذا ما كان يعتبر حقًا للفرد أم حقًا للمجتمع أو كلاهما؟ وبذلك يمكن الإشارة إلى أن لمبدأ المساواة طبيعة مزدوجة، فالبعد الخاص فيه يتجسد بأنه هو حق الفرد في ألا يتلقى معاملة متماثلة مع غيره ممن لا يشاطرونه ذات الامتياز، انطلاقًا من أن امتيازه الذي تلقاه نتيجة جهدة وجدارته وسائر العناصر الموضوعية والمشروعة، لا يمكن أن يكافأ بأقل من ذلك، وهو ما تمليه اعتبارات العدالة والمنافسة أساسًا للحراك والتقدم في المجتمع. بمعنى آخر، أن مبدأ المساواة يتعلق بحق الأفراد ذوي المراكز القانونية المتماثلة والظروف الواحدة في تلقي ذات المعاملة.
أما البعد العام، فإنه يتجسد في أن الحق في المساواة هو أخطر الحقوق جميعًا وأكثرها تأثيرًا في بناء مجتمع قوي ومستقر، فإذا لم يكن هناك مساواة في التمتع بالحقوق والحريات في المجتمع أو الوصول إلى الفرص المتاحة فيه، فإن ذلك الوضع يضرب المجتمع في مقتل ويجعله عرضة لأمراض اجتماعية وأخلاقية واقتصادية تهدد وجود المجتمع وكيانه، الأمر الذي أوجب على المشرع الدستوري النص في صلب الوثيقة الدستورية أن هذا المبدأ هو أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي. ذلك أن التسوية في الحقوق ملازمة للتسوية في الواجبات.
ويختلف مبدأ المساواة عن مبدأ تكافؤ الفرص، اختلافًا يحتم ألا يكون مبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه بديلاً عن مبدأ المساواة أو مستوعبًا له، فإعمال الحق في تكافؤ الفرص يفرض على الدولة التزامًا إيجابيًا مضمونه كفالة فرص ما يفرض عليها الدستور أو القانون كفالتها، بمعنى آخر يعتبر تكافؤ الفرص مرهونًا بوجود فرص تتعهد الدولة بتقديمها، في حين أن مبدأ المساواة هو حق ذو مضمون سلبي، بمعنى أنه لا يفرض على الدولة التزامًا بعمل ما، وإنما يفرض عليها التزامًا بالامتناع عن الإتيان بأي عمل ينطوي على تمييز ينتهك الحق في المساواة.
كما إن المساواة بحكم القانون أو «الشكلية» تختلف عن المساواة بحكم الأمر الواقع أو «الجوهرية» بالرغم من ترابطهما. فالمساواة الشكلية تفترض أن المساواة تتحقق إذا تعامل القانون أو السياسة مع الرجل والمرأة بطريقة محايدة. أما المساواة الجوهرية فتهتم، علاوة على ذلك، بتأثيرات القانون، والسياسات والممارسات العملية، وضمان عدم إدامتها للمساوئ التي تعاني منها أصلاً فئات معينة من الأشخاص، بل تخفيفها بالأحرى.
إضافة لما سبق، هناك أنواع لمبدأ المساواة تناولها الفقه والقضاء. فهناك المساواة الفعلية والقانونية ثم المساواة المطلقة والمساواة النسبية، والمساواة الرافعة والمساواة الخافضة، وأخيرًا المساواة أمام القانون وفي القانون ذاته. ونعرض لكل ما سبق نبذة عن التفرقة فيما بين هذه الأنواع.
فالمساواة القانونية هي أن يتمتع الجميع على قدم المساواة بحماية القانون وهي التي نادى بها جان جاك روسو ورجال الثورة الفرنسية وكانت تهدف إلى إلغاء امتيازات الطبقات – الأشراف وكبار رجال الكنيسة – إلا أنها لم تحقق غايتها إذ هيأت لذوي القدرات والمواهب امتيازات لا تقل خطورة عن امتيازات الأشراف وكبار رجال الكنيسة في الماضي، ومكّنت أصحاب رؤوس الأموال من السيطرة على الحكم واستغلال العمال وتمكين الصراع الدائم بين الطبقات الذي هو تاريخ الإنسانية من الناحية المادية. أما المساواة الفعلية فإنها تعمل على تحقيق المساواة - ولكن من طريق آخر – من خلال تخفيف الفوارق بين الأفراد اقتصاديًا واجتماعيًا، ومنها نبت مبدأ الحريات والحقوق الاقتصادية، كحق العمل، وحق التعليم المجاني، وحق الرعاية الصحية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا