x
x
  
العدد 10421 الجمعة 20 أكتوبر 2017 الموافق 30 محرم 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10353 الأحد 13 أغسطس 2017 الموافق 21 ذي القعدة 1438
 
 

كما نقل موقع فضائية «فرنسا 24» الإلكتروني «صوت النواب الفرنسيون، قبيل دخولهم في الإجازة الصيفية، بالموافقة بغالبية كبيرة على مشروع قانون أخلاقيات الحياة العامة، الذي يعد أحد أهم الوعود التي قطعها الرئيس إيمانويل ماكرون خلال حملته الانتخابية. ومن أهم ما تضمنه القانون منع النواب من توظيف أفراد عائلتهم كمساعدين برلمانيين، بعد سلسلة فضائح شهدتها الحياة السياسية الفرنسية ذهب ضحيتها سياسيون من مختلف ألوان الطيف السياسي. ويتضمن القانون بشكل خاص إلغاء (المخزون البرلماني) وهو مبلغ مالي يوزعه النواب وأعضاء مجلس الشيوخ على مناطق وجمعيات من اختيارهم».
قد يعتبر البعض منا نحن العرب، وعلى وجه الخصوص من نالوا شرف العضوية البرلمانية أن مثل هذه القرارات أصبحت ترفًا سياسيًا بات يمارسه بعض برلمانات الدول الغربية، بعد أن شبع أعضاؤها دوائر حقوقهم السياسة الواسعة التي تهبهم إياها قيم الديمقراطية الراسخة التي يتمتعون بها كأفراد، وانتزعتها برلماناتهم كمؤسسات. وأن الأهم من ذلك كله هو «متابعة العمل الحكومي ومساءلة أعضاء الحكومة بشأنه وفق الأدوات الرقابية المتعددة دستوريًا». وهي لا شك من صلب مهام البرلمان وأعضائه. ومن ثم فليس من الخطأ أن يقوم هؤلاء بمثل تلك المسؤولية على الوجه الأكمل. لكن الخطأ القاتل هنا عندما تتحول تلك المسؤولية من مهمة تمارس الرقابة والمتابعة، إلى مستوى التصيد والاتهام. حينها تنتقل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من إطارها البناء الذي يضمن تحقيق «الأهداف الاستراتيجية المنطلقة من العمل على الارتقاء بمستوى أداء الجهاز الحكومي والإداري للدولة، وتحسين الخدمات الجماهيرية»، إلى ما يشبه المناكفات اللسانية والمكتوبة التي تحقق الانتشار الإعلامي للنواب من جهة، وتمكن الدولة من تمرير الكثير من القرارات والقوانين والأنظمة التي تضمن لها فرض المزيد من القيود على الممارسات السياسية، وتقليص الحريات الشخصية، وفوق هذا وذاك صرف المجلس النيابي المعني وأعضائه عن مهامهم التشريعية الأساسية.
فتوقف النواب الفرنسيون وجمعيتهم التشريعية عند «قانون أخلاقيات الحياة العامة»، ليس مؤشرًا على ترف سياسي كما قد يتوهم البعض، وإنما ملء خانة تشريعية محددة أبرزتها منافسات الرئاسة الفرنسية الأخيرة.
هذا ينقلنا من باريس إلى العديد من العواصم العربية التي باتت تنعم بجمعيات تشريعية تتمتع كمؤسسات يحقها في معالجة قضايا لا تقل أهمية من تلك التي ناقشها البرلمان الفرنسي. وبطبيعة الحال، لا يعود ذلك إلى تفاوتات عرقية، بقدر ما هو إفراز طبيعي لمستوى التطور السياسي الذي وصلت إليه تلك البلدان التي نجحت شعوبها العربية في نيل حقوق بناء مؤسسات تشريعية، تكمن خلفه مجموعة من الأسباب التي يمكن أن نورد الأهم منها في النقاط التالية:
• التركة الاستعمارية التي خلفتها وراءها الدول الإمبريالية قبيل مغادرتها العسكرية والسياسي للبلاد العربية، والتي قد يبدو الإشارة لها هنا بعد انقضاء عقود على رحيل الاستعمار الغربي من البلدان العربية. لكن من الضرورة بمكان التأكيد على أن تلك القوى الاستعمارية، عملت على غرس قيم وممارسات في أجهزة الدولة والمجتمع على حد سواء، من خلال أنظمة وقوانين، وأحيانًا معاهدات، تحول دون تطور طبيعي، لمؤسسات تشريعية عربية كفؤة قادرة على ممارسة حقوقها، وأداء واجباتها على النحو الصحيح، وفي الاتجاه السليم البناء.
• نمط الإنتاج الذي يسير الاقتصادات العربية الذي لا تبيح آلياته إفراز مؤسسات تشريعية ناضجة، مؤهلة لممارسة أدوارها المناطة بها على نحو راق، ووفق أطر متميزة، وحسب طرائق مبدعة كالتي نشهدها في نظيراتها من الدول الديمقراطية التي تخضع اقتصاداتها لأنماط مختلفة قادرة على إفراز قيم سياسية مختلفة هي الأخرى.
• الأنظمة السياسية التي ورثت السلطة بعد مغادرة الاستعمار، بما فيها تلك التي خاضت معارك التحرير وأرغمت ذلك الاستعمار على الرحيل. فالذهنية التي تسيطر على عقلية الحاكم العربي اليوم، لا تنظر للمؤسسات التشريعية على أنها كيانات مستقلة تستمد سلطتها من الشعب، وتمارس صلاحياتها الرقابية وفقا لذلك، بقدر ما ترى فيها إدارت تشريعية ملحقة، بشكل أو بآخر بدواوين السلطة وإداراتها. ومن ثم لا يحق لها أن تتجاوز، إلا في حدود معينة، وتحت طائلة ظروف محددة، تلك الجدران والسقوف التي أقيمت فوقها.
• قوى سياسية عربية غير مؤهلة لخوض التجربة التشريعية من مواقع متقدمة، كونها أحد الإفرازات الطبيعية لمحصلة الزواج المسبق بين نمط الإنتاج، والسلطة التي أفرزها. هذا لا يعفي أعضاء الجمعيات التشريعية الوطنية من مسؤولياتهم المباشرة عن ذلك الإخفاق، لكنه، في الوقت ذاته، يسلط الضوء على السبب الحقيقي الجوهري الكامن وراء تخلف المجالس النيابة العربية.
 رصد تلك الأسباب لا يعني استحالة إحداث النقلة النوعية المطلوبة التي تخرج البرلمانات العربية من أزمتها الراهنة، لكن ذلك رهن بمجموعة من العوامل، من بين الأهم فيها الأمور التالية:
• اقتناع القوى المعارضة العربية، التي يفترض فيها أن تكون النواة الأساسية لتك الجمعيات التشريعية، أن دورها يتجاوز مناكفة الحكومة وممارساتها، ويتخطى إطارات المهام الخدماتية التي تضمن تكرار الفوز بأصوات الناخبين، لضمان انتقال تلك المؤسسات إلى فضاء العمل التشريعي الراق الذي يؤسس لدولة ديمقراطية مدنية تتوزع فيها الصلاحيات وفق منظومة تضمن رسم العلاقات المبدعة بين السلطات الثلاث.
• التحول الاقتصادي الجذري من اقتصاد ريعي/‏ خدماتي، إلى اقتصاد منتج بالمعنى الحقيقي لكلمة انتاج. هذا التحول، لم يعد في حاجة، كما في السابق، إلى ثروات طبيعية ضخمة، ولا رساميل نقدية عملاقة، بقدر ما هو في حاجة إلى الاستفادة القصوى من الموارد البشرية المحلية المتاحة التي باتت، في الاقتصاد الحديث، متوفرة في رأس المال البشري، سواء كمواد خام، أو كرأسمال منتج.
• الكف عن الاعتماد على القوى الخارجية، التي مهما بلغت حسن نواياها تجاهنا، وتوافق مصالحها مع مصالحنا، إلا أن هناك هامشا من الاختلاف من شأنه، متى ما طفا على السطح، أن يقود إلى تضارب المصالح، ومن ثم العودة إلى المربع الأول من جديد. لا بد من تقنين العلاقة مع الأجنبي، بما يضمن حق وقدرة الاستقلال التام عنه، عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك، ولا يعود هناك أي مجال للمساومة أو تقديم التنازلات. فيما توصل إليه البرلمان الفرنسي بشأن تلك الأخلاقيات الكثير من الدروس التشريعية لمن يريد أن يتعلم منها.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟

كُتاب للأيام