النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10809 الإثنين 12 نوفمبر 2018 الموافق 4 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

هل حقًّا قال كيسنجر إن طبول الحرب تدق ومن لا يسمعها به صمم؟

رابط مختصر
العدد 10349 الأربعاء 9 أغسطس 2017 الموافق 17 ذي القعدة 1438

كان الإعلام في غرّة بداياته حكرًا على سلطة الدولة، وكانت وسائل الإعلام محدودة محسوسة، وكانت في البدئ ورقية مكتوبة - مقروءة، ومن ثم أضيفت إليها وسيلة الخطاب المسموع عبر الأثير، واليوم الخطاب مرئي مسموع، ومنتشر عبر وسائط الكترونية هي في متناول كل إنسان، كبير وصغير وأكثر انتشارًا عند الصغار، صغار العمر وصغار العقل، حتى أضحى الاعلام للناس ومن الناس مثل الهواء الذي يستنشقه الناس، فكل فرد أصبح مركزًا إعلاميًا بذاته ومن ذاته وفي تفاعل مع الذوات الرسمية والذوات غير الرسمية والذوات الشخصية الفردية، والكل باستطاعته أن يكتب وينشر ما يشاء، وهذه حالة من حالات الوباء غير المحسوس، وباء ينخر وينتشر، وينتشر وهو ينخر، وطبعًا ليس كل ما في هذا الهواء الإعلامي وباء، فهناك الخبر الصحيح والعلم المفيد والفكر الرصين، وهذا الجانب الإيجابي من هذا الهواء الإعلاني تستنشقه القلة القليلة من الناس، والدليل أن المنثور المشوه عبر وسائط التواصل الاجتماعي أكثر بكثير من السليم، وغالبية الناس يتعاطون المنثور المثير، وهذا المنثور المثير جله مهاترات وأكاذيب وتلفيقات ودغدغة عبثية بالمشاعر، ومن هنا الطامة الكبرى وفعل الوباء من هذا الاعلام المشاع، حيث لا حدود ولا ابواب...
استلمنا حديثًا، واستلم الكثير مثلنا، عبر وسائط التواصل الاجتماعي نصًا للقاء صحفي مع وزير خارجية أمريكا الأسبق في عهد نيكسون في السبعينيات من القرن الماضي، وفي هذا اللقاء يتحدث السيد كيسنجر عن أن طبول الحرب العالمية الثالثة تدق وتسمع، وأن من لا يسمعها به صمم، ويسترسل في اللقاء بنفس متغطرس متعجرف مرعب متوعدًا بأن الحرب ستكون بين أمريكا من جهة وروسيا والصين من جهة ثانية، وكيف أن أمريكا ستكون هي المنتصرة، وأن أمريكا مع حليفتها اسرائيل سوف يعملون على القضاء على العرب، وأن اسرائيل ستحتل سبع دول عربية وتكون هي سيدة الشرق الأوسط، وينصح العامة من الناس بأن يجدوا لأنفسهم ملاذًا خارج الأماكن المعرضة لنيران الحرب. وهذا اللقاء (المزعوم) قد تم في التاسع عشر من يناير 2012 في صحيفة الكترونية مركزها بريطانيا، وفي حينه بادرت بعض الصحف العربية والإيرانية بترجمة اللقاء ونشره على صفحات جرائدها، وأضافت تعليقاتها الاستنكارية بروح من الحماس الحاقد والرافض، وتوالت الاوصاف الشيطانية تلصق بهذا السياسي العجوز الذي كان في حينه يشارف على عمر التسعين، واليوم هو في الخامسة والتسعين من العمر، وطبعًا لا يمكن توقع غير ذلك أمام أقوال من هذا القبيل، خاصة وأن اصحاب الترجمة والنشر لم يراعوا الامانة في النقل بالتأكد من مصداقية ما جاء في الجريدة الالكترونية (الهزلية الساخرة).
بينما الحقيقة شيء آخر كلية، لأن هذا اللقاء في واقع الأمر لم يتم، ولم يتم أي لقاء بين السيد كيسنجر مع أي صحفي في هذه الجريدة، وكل الذي جرى هو أن جريدة ديلي إسكوب Daily Squib التي جاء على صفحتها الالكترونية هذا اللقاء، هي جريدة هزلية ساخرة تهكمية تكتب من باب الهزل والاستهزاء والهجاء، وأدبياتها من نسج الخيال، لا من باب الحقيقة، فهي ليست جريدة بالمعنى التقليدي، فلا أخبارها معتمدة ولا مقالاتها تحمل أية مصداقية واللقاءات الصحفية فيها هي من نسيج الفبركة والخيال. وبالنسبة لهذا اللقاء المرعب المخيف، الذي ينذر بقرب جهنم على الناس وخاصة العرب، والذي زعمت الجريدة أنها أجرته مع كيسنجر فإن الاسم الصحفي المذكور والذي أجرى اللقاء، وهو اسم مستعار وشخصية وهمية، مكون من الاسمين الأولين لكيسنجر نفسه، الاسم الكامل لوزير الخارجية هو الفريد هاينز كيسنجر، واسم الصحفي المزعوم هو هاينز الفريد، وهذا هو دأب الجريدة عندما تنشر على صفحاتها لقاءاتها الخيالية مع شخصيات مشهورة... ومن الغريب أن الذين اجتهدوا في ترجمة ونشر هذا اللقاء المكتوب والذي لم يحصل قطعيًا إدعوا أن الجريدة (الهزلية) مركزها نيويورك، بينما أدبياتها الساخرة تنبعث من بريطانيا، فالصحافة العربية والإيرانية لم تراعِ الدقة والامانة في التعريف الدقيق بهذا اللقاء الخيالي، بل تلقفت نصوص اللقاء من موقع الكراهية لهذا السياسي العجوز كي تكيل عليه كل الصفات الخبيثة الموجودة في قاموس المصطلحات الشيطانية. إن هذا النهج الطفولي في التعاطي من قبل الذين يختلفون مع هذا العجوز او مع غيره، ومهما كان عمق الاختلاف، يبين ضحالة الفكر وسطحية الفهم السياسي عند هؤلاء وهم يتربعون على عروش الصحافة ويحملون أمانة نقل الخبر والمعلومة، الخبر الصحيح والمعلومة الصادقة من مصادرها المعتمدة، وهم مسؤولون عما ينقلونه، وما يسببه هذا النقل، إذا كان مشوهًا، من تشوش وارتباك وخطئ في الفهم ومن ثم إتخاذ مواقف خاطئة، وقرارات خاطئة قد تكون نتائجها كارثية.
إن هذا الإعلام الذي تهالكت سمته الاحترافية، حيث أصبح الفرد، بكل ما تميز به من علم وجهل، مركزًا إعلاميًا للمعلومة والخبر، قد أضحى قضية أساسية بين قضايا العصر الحادة والحرجة، بل تكاد قضية الاعلام المشاع أن تكون هي سيدة القضايا، لأن كل القضايا الأخرى تمر خيوطها عبر أسلاك هذا الاعلام الذي يعبث بتوصيلاته القاصي والداني، العالم والجاهل، حسن النية وسيئ النية. إن هذا الاعلام في حاجة الى دراسة وفهم عميق، والى نمط من الرصد والضبط دون المساس بحرية التعبير والفكر..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا