النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

فــوق جهــــل الجــــاهلـــــين..!!

رابط مختصر
العدد 10348 الثلاثاء 8 أغسطس 2017 الموافق 16 ذي القعدة 1438

«من أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل»..
عبدالرحمن الكواكبي

ليتنا نتفق أن الجاهل وعديم الكفاءة الذي يقبل مسؤولية أو منصبًا وهو يعلم بأنه غير جدير به، أو وغير أهل له وإنه لن يستطيع أن يمضي بمسؤوليته كما يجب، أو أنه يمكن أن يكون مجرد دمية في يد أي كان، ولا يستطيع أن يحمل أفكارًا ورؤى يملأ بها فضاء المسؤولية الملقاة على عاتقه، هو إنسان فاسد، ولن يشفع له أنه «خلوق»، أو محبوب، أو متواضع، أو صاحب سلوك حسن، أو أنه يؤدي الصلاة، ويؤتي الزكاة، ولا يكفي أن يكون مدعومًا من أصحاب المقامات العليا، أو أن جهات أو جمعيات بعينها وقفت وراء تصعيده، أو يكون نتيجة ثقافة المحسوبية والتفضيلات التي تفتح الباب لاعتماد الميل والهوى والغرض، بدلاً من ثقافة المعايير واعتبارات الكفاءة، وهذا ملف يمكن الاستطراد فيه إذا شئتم..!!
الذين تقدموا أفرادًا ومجتمعات، والأوطان التي تبوأت مراتب في مجال الرفعة والتقدم هي تلك التي فتحت الأبواب لكل أوجه الجد والمثابرة والكفاءة وفي شتى الأعمال والمجالات، بمعنى أنهم عرفوا شروط النجاح والإنجاز والازدهار والإبداع وبنوا النجاح تلو النجاح، لم يطلقوا على الجاهل عالمًا، والغبي حكيمًا، والفاسد مصلحًا، والساذج محنكًا، والمنافق مخلصًا، والأحمق حكيمًا، والانتهازي وطنيًا، فيما صاحب العلم والكفاءة يتسكع، تضيق به السبل، ويضيق عليه الخناق، يندب حظه، ينطبق عليه قول المتنبي (ذو العقل يشقى في النعيم بجهله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم). والأمثلة على ذلك أحسب أنها حية شاخصة بكل براعة أمام أنظار الجميع وكلها تتطلب جرأة وشجاعة على نقد الذات لا تتوافر لنا، مع ملاحظة واجبة أن ذلك لن يجدي اذا لم يكن مقرونًا بإرادة حقيقية وحازمة لإصلاح الحال، وتبنى حقيقي للمبدعين والمتفوقين في كل الحقول والميادين، وإفساح المجال لأصحاب العلم والكفاءة بشكل لا تلكؤ ولا لبس فيه ولا تأويل ولا مراوغة.
نتحدث عن الجهل والجهلة، عن هؤلاء الذين يضللون المفاهيم، ويسفهون الأفكار، ويغتالون العقول، ويغرقوننا في متاهات، ويفاقمون الضجر والإحباط الذي يتراكم داخل النفوس، الجهل مذموم في القرآن والسنة وفي كل الكتب المقدسة، هو ضد العلم ونقيضه، الجهل يلد الباطل والكذب والوهم والفساد والفتن، ويجعل مشكلات وعلل المجتمع مستدامة، الجاهل الذي يتلذذ في جهله، ويربيه، وينميه الى درجة أن يرى نفسه دائمًا أنه الأفضل والأكفأ، الجاهل الذي يفرز جهله شططًا ومآسي حين يتبوأ أماكن ومراكز ووظائف ومسؤوليات وكأنه المرشد والهادي الأمين، والأسوأ حين يتعملق الجاهل، حين يكون صاحب نفوذ ومرجعية لمن يفهم ويعلم، حين يشيد قصورًا من الجهل للآخرين ويوفر لهم مكانًا ومكانة، باختصار الجهل والجاهل أصبحا مرضًا يقوض ويهدم ويحول دون رقي الأوطان والشعوب، ويفرز كل ما يستظل تحت عنوان التخلف الحضاري..
الحديث عن الجهل والجهلة هذه المرة مبعثه اللغط الواسع الذي دار ولازال يدور حول من اعتبروا أداة من أدوات التجهيل وهي كثيرة ولا تحصى.. هم نموذج لأنواع من الجهلة، أسوأ ما فيهم أنهم يولدون المزيد من الجهل، لصوص، متحذلقون أدعياء، يحسبون أنفسهم او حسبوا علينا قسرًا علماء، ومفكرين، ودكاترة، وعينوا في مراكز وتبوأوا مناصب شتى، أكاديمية وغير أكاديمية، بل وجدنا مخادعين، وأفاكين يحدثون الناس عن الفضائل الدينية والاجتماعية، وكلهم إفراز للجهل، ويعظمون الجهل، الجهل المركب الذي هو في تعريف معجم المعاني من لا يسلم بجهله ويدعي ما لا يعلم..!! المشكلة في هؤلاء انهم لا يقودون سوى الى الفشل، فشل الى فشل، وكم هو بالغ السوء حين يطبل لهؤلاء الجهلة.. وحين تبرز إخفاقاتهم على أنها إنجازات..!!
هذا ملف خطير نتج وينتج عنه انفصام قيمي وأخلاقي من المؤكد بأنه لا يخفى على ذوي الفطنة، واسمحوا لي هنا أن أتوقف أمام نموذج، أمام جهلة يحملون شهادت عليا، وهنا لب المشكلة، لأنهم يحملونها خديعة او ادعاء، ينتجون كما قال الدكتور محمد الرميحي «جهلة بشهادات» وهذه صناعة عربية بامتياز، هل تذكرون القائمة السوداء الامريكية التي نشرت قبل سنوات وتشمل 10 آلاف حصلوا على شهادات مزورة من الولايات المتحدة، من ضمنهم 180 خليجيًا بينهم 12 بحرينيًا، وقيل إن قيمة الشهادات المزورة كانت تتراوح بين مئات وألوف من الدولارات بحسب نوع الشهادة، وبلغت كلفة الحصول على شهادة الدكتوراه 8000 دولار، وأعلن حينها بأن وزارة العدل الامريكية اتجهت الى مقاضاة الذين اشتروا الشهادات ولكن لا أحد يعلم ما اذا كانت هذه الدعاوى شملت الخليجيين أم لا، هذا حدث قبل سنوات ولا أحد يعلم ما اذا كانت جهة مسؤولة او معنية تابعت الأمر واتخذت اللازم..
فى السياق ذاته، يمكن التذكير بإعلان وزراء التعليم العالي والبحث العلمي بدول التعاون على هامش اجتماع لهم بتاريخ 13 فبراير 2014 والذي يفيد بتحرك مشترك لمكافحة الشهادات الوهمية من خلال إنشاء شبكة لاصطياد الشهادات المزورة، ولا أحد يعلم ما اذا كان قد تحقق بالفعل أي جهد خليجي مشترك لمواجهة آفة الشهادات المزورة والوهمية والأبحاث المسروقة، وها نحن نجد هذا الملف يقفز الى الواجهة مجددًا، ففي الكويت أخذت قضية الشهادات المزورة حيزًا كبيرًا من الاهتمام، فقد أعلن مؤخرًا عن إجراءات اتخذها وزير التربية بخصوص أصحاب الشهادات المزورة من العاملين في الوزارة بعد ثبوت إدانتهم، عزلوا من مناصبهم الأكاديمية وأحيلوا الى النيابة العامة بتهمة التزوير، قيل بأن هذه خطوة، وان ثمة إجراءات في الطريق لمحاصرة الدكاترة الحاصلين على شهادات «مضروبة» ويعملون بالحكومة منذ سنوات، والمأساة أن بعضهم معني بتخريج أجيال من المواطنين..!!
في البحرين اتهمت أكثر من جامعة خاصة بتقديم شهادات تدور شبهات حول مصداقيتها خاصة للطلبة الدارسين بنظام الانتساب و«الويك اند»، وجرت أحاديث كثيرة حول شراء بحوث جامعية ومشاريع تخرج، الى جانب قصص كثيرة حول من انخرطوا في غواية حرف «الدال» والذين أصبحوا بين ليلة وضحاها يحملون ألقابًا لا يستحقونها، ويذكر انه في السعودية وجدنا قوائم نشرت بأسماء وصور أصحاب الشهادات الوهمية لدرجتي الماجستير والدكتوراه، ووجدنا مبادرة باسم «هلكوني» توظف شبكات التواصل الاجتماعي كسلاح في مواجهة الشهادات الوهمية..!! الملف مس أشخاصًا لهم مكانتهم في المجتمع تجرؤوا على انتهاك القانون وخداع البشر، وخلقوا بشكل او بآخر صورًا من صور الغش والاحتيال والتدليس وعلى أياديهم ينتشر الجهل والتجهيل، ومصيبة كبرى حين يتفوق الجهل على العلم، ويكون شبح الجهل حاضرًا على الدوام ..!!
أرجو ألا يحسبن أحد أنني اختزل طبقة الجهلاء ومن انخرطوا في التجهيل في أصحاب الشهادات الوهمية أو المزورة، ومن هم مجرد لصوص بدرجة دكتوراه مزورة، إنما هؤلاء عينة يجري الحديث عنها بكثافة هذه الأيام في الكويت وقبلها البحرين وفي بلدان أخرى بالمنطقة العربية، مجرد عينة من الجهلة الذين لا يقرون بجهلهم، ولا يخلفون وراءهم إلا شكلاً من أشكال الجهل، من هؤلاء الجهلة من أبعد كفاءات واستبدلها بأهل الثقة والمطيعين، استماتوا كي لا يأخذ الناجحون والأكفاء مكانتهم، ومنهم من مارس ألاعيب لا تحقق سوى مآرب ومصالح شخصية او حزبية او طائفية على حساب كل شيء، والمؤسف أن مجتمعاتنا زاخرة بأنواع ومستويات كثيرة منهم في كل مجال وميدان، وكثير من مشكلات حياتنا سببها الجهل الذي يعوق ويعطل ويؤزم.. يفتعل الازمات وينشر الفتن ويدّجن العقول، جهلة منهم من يظهر لنا بمظهر الاداري الفذ، او من لبس ثوب الداعية الاسلامي، او ثوب الأكاديمي، او ثوب الخبير او الوجيه او..
هل من يدرس ويحسب ويحلل ويرصد كم كلفنا هذا الجهل والجهلة، دعونا نتصور أننا استطعنا فعل ذلك حقًا، وهنا عليكم تبدأ الحسبة..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا