النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

قطر الشقيقة .. الواقع المُرّ (5)

رابط مختصر
العدد 10341 الثلاثاء 1 أغسطس 2017 الموافق 9 ذي القعدة 1438

في دلالة واضحة جداً على ما تؤكد عليه الدول المقاطِعة بأن حل الأزمة الخليجية لابد وأن يكون من الداخل الخليجي، انتهت زيارة الرئيس التركي الذي كانت الدوحة محطته الأخيرة بعد السعودية والكويت يوم الاثنين الماضي إلى الفشل ذاته الذي انتهت إليه زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى المنطقة في (15 يوليو 2017م) وزيارة وزير الخارجية الأمريكي الذي سبقهما في سلسلة محاولات حل الأزمة الخليجية المشتعلة منذ (5 يونيو 2017م)، لتبقى الوساطة الكويتية تدور في حلقة مفرغة نتيجة الحسابات القطرية الخاطئة ومراهنتها على الموقف الأمريكي المتأرجح بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، والذي على إثره ذكرت محطة (CNN) الإخبارية الأمريكية على موقعها الإلكتروني عن قرب استقالة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون لأسباب مختلفة قد يكون من بينها موقفه من الأزمة القطرية الذي حصر الخلاف الخليجي في مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان في الدوحة بتاريخ (11 يوليو 2017م) وتحدد – حسبما نُشر في القنوات الرسمية القطرية الخطوات التي ستتخذها البلدان لمنع تمويل الإرهاب وتعقّب مصادره وتكثيف أنشطة مكافحته وتجريمها وتعزيز الدور الأمني والتعاون القضائي وتحديد معايير لضمان محاسبة البلدين على تنفيذ التزاماتهما بهذا الاتفاق وذلك كلّه في سبيل حفظ سلام وأمن المنطقة، والذي قد يأتي تواجد الخبراء الأمريكان في بنك قطر المركزي لمراقبة حركة تحويل الأموال للخارج ضمن سياقه. 

إلا أن اختصار الأزمة في موضوع ذلك الاتفاق، فيه تجاهل واضح لقائمة مطالب الدول المقاطِعة، وفيه تأكيد على الاتهامات الموجَّهة لدولة قطر حول تمويلها للإرهاب في الوطن العربي، خاصة وأنها رضخت للتوقيع عليه بعد تصاعد أزمتها مع الدول  المقاطعة، وبعد تردُّد دام أكثر من عام حسب تصريح مصدر أمريكي رفيع في موقف وسلوك عبثي متهور لا يكترث لما ستؤول إليه أوضاع المنطقة العربية، إنما تسيّره روح الانتقام من الأشقاء بسبب أحداث انتهت ولا وجود لها في حاضر الزمن، فأي عقلية لا زالت تقرأ في الملفات التاريخية القديمة وما ترويه من حروب وصراعات قبلية بين المشيخات والإمارات المترامية على سواحل الخليج الجنوبية سبقت المعاهدة العامة للسلام بين حكّام الخليج والإمبراطورية البريطانية عام (1820م)؟  

وكما هو العهد بها، تلعب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بورقة الإرهاب رغم يقينها بالدور القطري في تمويل عملياته والإشراف على بعضها وتوفير الدعم المالي والمعنوي واللوجستي لمخططيها ومنفذيها، كتوفير بيئة الرفاهية والهدوء لحركة طالبان للتخطيط - من الأراضي القطرية - للعمليات الإرهابية في أفغانستان بتنسيق وتعاون جهات وشخصيات قطرية رسمية معروفة، وهو ذات الدعم الذي تلقاه المنظمات الإرهابية الأخرى كالقاعدة وجبهة النصرة والإخوان المسلمين.

ورغم ما تمتلكه الأجهزة الأمنية في أمريكا وأوروبا - كما لدى الدول المقاطعة - من الأدلة الدامغة التي تثبت ذلك، إلا أنها تتعمَّد بعدم وضع النقاط على الحروف لهذه القضية الخطيرة وعدم حثّ قطر على تغيير مسار سياستها الخارجية وعدم محاسبتها عمَّا ارتكبته - ومازالت - في حق الحكومات والشعوب العربية؛ ولهذا السبب ظلَّت مواقفها متناقضة وضبابية ومتأرجحة، ووقفت الوساطة الكويتية دون أدنى خطوة للأمام بسبب ردود الأفعال القطرية التي لم تحترم مقام صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ولا جيرة ولا أواصر علاقات قربى ومصير مشترك يجمع دول مجلس التعاون التي تعاهدت على مواثيق واتفاقيات والتزامات، كان آخرها اتفاق الرياض التكميلي 2014 وما انتهى عدم التزدام قطر به من تداعيات خطيرة على الامن والاستقرار في المنطقة.

وفي قراءة سريعة للموقف الأمريكي من الأزمة، نجد أن الرئيس ترامب يعتبر قطر (دولة ممولة للإرهاب وعلى مستوى عالٍ جداً، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية وقف تمويل الإرهاب، وأن هذا ما يحكم موقفها ودورها في الأزمة!!)، في موقف مناقض تماماً لموقف وزارتي الخارجية والدفاع.

كما أنه بالرغم من تناقضات العلاقات الأمريكية التركية خصوصاً بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في (يوليو 2016م)؛ فإن هناك تنسيق (أمريكياً تركياً قطرياً) لا تخفى معالمه يسعى بكل استماتة لتدمير المنطقة وتحويلها لبؤرة من الفوضى، ولا أدلّ على ذلك من عدم إشارة وزير الخارجية الأمريكي خلال زيارته الأخيرة للمنطقة لا من قريب ولا من بعيد إلى تواجد القوات التركية على الأراضي القطرية التي تعتبر منطقة نفوذ أمريكية خالصة في الخليج العربي! وهذا ما يدلِّل على انسجام الموقف الأمريكي مع السياسة القطرية وتصرفاتها اللا مسؤولة المساعِدة على تنفيذ خطة (الفوضى الخلاَّقة) وعملية التغيير التي بدأت إرهاصاتها في تونس نهايات عام (2010م) واستهدفت إنهاء الأنظمة العربية القائمة وإقامة أنظمة تعددية ديمقراطية إسلامية على النهج الإخواني التركي القريب فكراً ورؤيةً من نظام ولاية الفقيه الإيراني ويلقى ترحيباً من الحليف الأمريكي ويتعارض تماماً مع سياسة دول مجلس التعاون عدا دولة قطر التي تحوَّلت إلى أداة تنفيذية في اليد الأمريكية لتدمير شقيقاتها عبر تمويل عمليات التغيير المُخطط لها أمريكياً وبريطانيّاً منذ أمَد طويل.

ورغم كل ما قيل ويقال حول الأزمة القطرية، يبقى تغيير قطر لسياستها أمر بالغ الضرورة، لضمان استقرار المنطقة وعدم جرها للدخول في مرحلة فوضى وغليان لن تجني منها سوى الدمار والخراب في جميع الأحوال وسيلاحق التاريخ من تسبَّب فيها، خصوصاً في ظل الأسباب الآتية:

أولاً: تأزم الأوضاع الاقتصادية القطرية في الوقت الحاضر، وتوقع تدهورها بشكل حاد في الفترات القادمة التي ستشهد ظروف كارثية بسبب توفير المواد الغذائية بتكاليف شحن جوي مرتفعة وانعكاس ذلك على المستويات كافة وفق ما تؤكده التقارير المتخصصة، وهذا يستدعي القيادة القطرية إعادة النظر في سياساتها المتهورة فوراً؛ لما لها من نتائج وخيمة ستدمّر الأرض والشعب الذي لن يرتضي الخنوع لتلك السياسات لفترة طويلة وسيكون لعنوان (ثورة الغضب الشعبي القطري) موقع بارز في كتب التاريخ.

ثانياً: لابد من الإدارة القطرية - القائمة أصلاً على خطط الأمير الوالد (الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني) وبمساعدة وزير الخارجية الأسبق (الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني) - إدراك الواقع الخطير الذي تعيشه وسرعة معالجته بتنفيذ المطالب الخليجية التي وافقت عليها أصلاً بتوقيع الأمير تميم على اتفاق الرياض والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية عام (2014م) والتي تصبّ في مصلحة قطر فضلاً عن دول الخليج، وعدم الانصياع لروح الانتقام التي تتسيَّد الموقف منذ سنوات طوال لتحقيق حلم الأمير الوالد ورئيس وزرائه في الانتقام من أحداث عام (1996م) بعد وصوله إلى سدة الحكم بالانقلاب على والده الذي لاحقه بمذكرة قبض من الإنتربول لاستعادة المليارات التي بحوزته في البنوك السويسرية.

ثالثاً: انتهاء مرحلة المجاملات السياسية في طريقة التعامل مع القضايا السياسية الحسَّاسة خصوصاً بعد المنغصات التي تراكمت على مرّ عقود من الزمن وغطَّتها المجاملات القبليّة وكلَّفت دول مجلس التعاون الكثير من التضحيات على حساب أمنها واستقرارها وحماية كياناتها في مرحلة جديدة وعلاقات مختلفة مع الأصدقاء الحلفاء أصحاب المصالح في الخليج العربي، وهذا ما يجب أن يقتنع به قادة سياسة قطر العبثية (الأمير الوالد ووزير الخارجية الأسبق)، خصوصاً بعد جلاء الحقائق واتضاح النوايا الخبيثة والخطط الغادرة المرسومة بيد (غريبة) ومُنفَّذة بيد (شقيقة) بكل أسف!

رابعاً: ضرورة ابتعاد القيادة القطرية عن الازدواجية في المواقف والسياسات، ففي حين تقوم بدعم ومساندة الشعوب العربية للحصول على حقها في حرية الرأي والتعبير - كما تدَّعي - عن طريق الفوضى والتخريب، تقوم من جانب آخر بتخدير شعبها بالمال والثروة والرفاهية لكسب ولائه بطريقة بعيدة كل البعد عن نهج التعددية السياسية وأساليب التحضّر والديموقراطية الحديثة التي تتغنَّى بها في كل محفَل!

خامساً: ضرورة رفع الدعم بكافة أشكاله عن جماعة الإخوان المسلمين التي تعيث في الأرض العربية فساداً وتدميراً انطلاقاً من الأراضي القطرية وبعلم وتأييد وتدبير قياداتها، والتوقف عن تمويل شبكة الجزيرة الإخبارية وعدم الاستمرار في تغطيتها بغطاء (الرأي والرأي الآخر)، وهي التي امتهنت منذ تأسيسها تأجيج فوضى الشارع العربي بما فيها دول مجلس التعاون، وفي الوقت الذي تدّعي فيه حكومة قطر استقلالية الشبكة وحياديتها يثبت الواقع باطل ما تدّعيه، فقناة الجزيرة في ظروف الأزمة الحالية هي المتحدث الرسمي باسم قطر وهي من تقوم بالدفاع عن السياسات القطرية والطعن في الدول المقاطعة طوال ساعات البث ودون توقف.  

إن تعمّد قطر الخروج عن البيت الخليجي، واستعانتها بالمثلث (الأمريكي الإيراني التركي)، يعقّد الأزمة ويطفي أي بارقة أمل في حلها في القريب المنظور، ويغلق أي مساحة قد تكون متاحة للوساطة الكويتية للتسوية التي لن تكون إلا بتوافق الجميع، خصوصاً وأن سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر وفي خطابه الذي وجَّهه مساء (21 يوليو 2017م) إلى الشعب القطري أبدى استعداد بلاده للحوار ومناقشة كافة القضايا المثارة من قِبل دول المقاطعة وتسويتها.

إن منطقة الخليج العربي تمرّ بأصعب مراحلها منذ تأسيس مجلس التعاون الذي كانت من أهم أهدافه حماية دوله واستقلالها من تداعيات الحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت في (سبتمبر 1980م)، ومواجهة مخاطر المَدّ (البعثي العربي) في العراق وسوريا، و(القومي العربي) في مصر، و(الشيوعي) في اليمن، و(الثورة الخمينية) في طهران، لتجد نفسها واقعة في خطر جديد وهو خطط (الفوضى الخلاَّقة) التي ستكون حالة التوتر  وعدم الاستقرار وزيادة الأزمات أرض خصبة لتنفيذ المرحلة الثانية منها والهادفة إلى تدمير (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) آخر معقل عربي للدفاع عن الوحدة العربية.

لذلك فإن استقلالية كيان مجلس التعاون والإبقاء عليه قوياً قادراً على الحفاظ على الانجازات العظيمة التي حققها طوال (36) عاماً، والدفاع عن أمن واستقرار دول الخليج وحماية مصالح ومكتسبات شعوبها، يتطلَّب حلاً دبلوماسياً سياسياً خليجياً خالصاً يقوم على أُسس صحيحة وجادة تنهي الأزمة الراهنة ومسببتها بشكل نهائي.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية  ومجلس التعاون 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا