النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

مسئولية الانتصار في الموصل

رابط مختصر
العدد 10327 الثلاثاء 18 يوليو 2017 الموافق 24 شوال 1438

انتصرت الموصل بأهلها لأهلها، وعيون الانتصار مفجوعة بنكبة المدينة وأخواتها من القرى المحيطة، فهي كلها مستوية بالأرض منهوكة منكوبة، وهذه المناطق المنكوبة في حاجة ماسة الى دماء يتدفق في شرايينها كي تعود الحياة اليها من جديد... وما كان لهذه النكبة أن تحصل لولا تاريخ من سياسات كانت تخنق أنفاس الوطن وتذل المواطنين، من نهج ديكتاتوري الى نهج طائفي، وكلاهما ازدراء بالوطن وخنق لأنفاس المواطنين وتشتيت لأوصاله... فإذا ما تواصلت تلك السياسات الخانقة المذلة المشرذمة فان الجرح في جسم الوطن سيبقى عميقا رغم الانتصار الكبير، وستعود النكبات على هوى المواسم السياسية، وانطلاقا من الموصل المنتصرة-المنكوبة نتحسس الطريق الى ما بعد الانتصار...
الموصل من سلطة الدولة الى سلطة مناهضة للدولة ومنها عودة الى سلطة الدولة، قبل السلطة المناهضة للدولة كانت الموصل مدينة حية بأبنائها ومبانيها، من بيوت وحدائق وجوامع وكنائس وأبنية عمومية متناثرة كالورود على سطوح أرض الموصل، وكانت تنعم بشيء من الشعور بالأمن النسبي، وكان الناس في حميم الهاجس مما يدور في مناطق العراق الأخرى، وكانوا يدعون ليل نهار أن لا تمسهم النار التي كانت مستعرة في مناطق الجنوب، ولكن النار المستعرة كانت أقوى من رغبات أهل الموصل، فجاءهم اليوم الموعود من لظى النار، النار التي بطبعها تحرق الأخضر واليابس، وأصحاب المصالح يمنعون الماء عنها ويصبون المزيد من الزيت عليها، فكان اليوم المشئوم، يوم أزيحت سلطة الدولة عن الموصل وتربعت ميليشية عسكرية مناهضة للدولة مدججة بأحدث الأسلحة على مفاصل الدولة وبتيسير من قوى معلومة-مجهولة، وتناقلت بعدها وسائل الاعلام الغربية، وهي الناطق شبه الرسمي للحريق العربي، أخبار السلطة الجديدة في الموصل وأسبغت عليها صفة تنظيم الدولة، فاستساغت سلطة الميليشيا هذه التسمية واعتبرتها رسالة إيجابية في صالحها ودعما لمساعيها، وهكذا تحولت القوة المناهضة للدولة الى سلطة تحمل صفة دولة ويشار اليها في وسائل الاعلام بتنظيم الدولة، أي أن الباقي على التنظيم أن يكمل متطلبات تشكيل الدولة حتى يتحول التنظيم الى دولة يمكن الاعتراف بها، ومن أجل إثبات وتثبيت هيبتها كدولة اعتمدت نهجا مفرطا في القسوة مع أهالي الموصل، ومن أجل ترهيب أعدائها من جنود الدولة الرسمية اعتمدت نهجا مفرطا متطرفا في الترهيب بالنحر والحرق... ولكن كان للميدان شأن آخر، ميدان الكر والفر بين قوى محلية، وأخرى إقليمية بأدوات ميليشية مسلحة، وبإدارة من كبار ذوي مصالح كبيرة... وهكذا حول الكر والفر الرياح الى غير صالح تنظيم الدولة، فانهار تنظيم الدولة تحت سنابك خيول الدولة العراقية مدعومة بميليشيات طائفية، دولة مازالت تدار بسلطة مذهبية طائفية وبدعم طائفي إقليمي، ومع تحول اتجاه الرياح وانتهاء سلطة تنظيم الدولة على الموصل انطلقت هتافات النصر والانتصار من حناجر أطراف الدولة الرسمية، فرئيس مجلس الوزراء العراقي، في تعبيره عن بهجة الانتصار، يصرح بأن «العالم لم يتصور أننا سنقضي على داعش (تنظيم الدولة) بهذه السرعة»، ويضيف على هذا التصريح تصريحا مكملا مفاده «أن الأولوية الآن هي إعادة الإعمار»... ومما قاله وليته لم يقله: «أقدم التحية الى المرجعية الدينية التي قدمت فتوى تاريخية»، أي فتوى تحث على محاربة تنظيم الدولة وأن هذه الحرب هي تكليف ديني (مذهبي)!!! وكأن الإنسان في الوطن العراقي العظيم بليد الاحساس مشلول الفكر يجهل بالمطلق واجبه الوطني المقدس حتى ينتظر من رجل يعيش معزولا في صومعة دين ممذهب ليقول له ماذا عليه أن يفعل، ما كأن الواجب الوطني مغروس في نفس كل مواطن بغض النظر عن مرجعية او لا مرجعية، فللمرجعية مكانها الضيق في صومعتها، وللمواطن فضاؤه الوطني الرحب حيث الفكر حر يعرف مسئولياته وواجباته، ولا حاجة له الى وصية من مرجعية، رغم احترامنا لمكانة المرجعية في مكانها.
 نعم أولوية إعادة الإعمار... نعود إلى دعوة إعادة الإعمار... هذا مطلب موجب ملزم ظاهر، ولكن المسئولية -مسئولية الإنتصار ! - أكبر بكثير، وما الإعمار سوى جزء يسير مالي بسيط من تلك المسئولية الكبيرة، مسئولية صون وحدة تراب الوطن، مسئولية حفظ كرامة الانسان في الوطن، مسئولية احترام حقوق المواطنين، مسئولية ضمان اللحمة الوطنية التي هي الضمان الأصيل ضد النكسات والنكبات والكوارث.
بادئ ذي بدء، الدولة الرسمية تتحمل مسئولية ما حصل من حرب داخلية، تلك الحرب التي دمرت المدن وسوتها بالأرض وقتلت الألوف من الأبرياء وشردت وهجرت عشرات الألوف من المواطنين وجعلت من المجاعة الماء والطعام، كيف يمكن للدولة أن تحمل نفسها هذه المسئولية التي لا مجال من التنصل منها؟!!!، فلولا تلك السياسات الخاطئة والتي لا تنسجم مع روح الوطن والمواطنة، سياسات كانت تتدثر بعباءة الطائفية، والطائفية إقصائية بطبيعتها، لما حلت هذه الكارثة بدولة عظيمة مثل العراق، الدولة التي سنت أول مجموعة متكاملة من نصوص القانون المدني قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، تلك العراق كانت أعظم، بما لا يقاس، بعراق اليوم... ومسئولية الانتصار للوطن تقتضي التحول السريع من النهج الطائفي الى النهج الوطني المدني الذي يعتمد سياسة الديمقراطية واقتصاد التنمية المستدامة مع توزيع عادل للثروة ومنهج تعليمي تربوي وطني دعامته العلم والثقافة الانسانية.
 وبالنسبة لما تبقى من جند تنظيم الدولة فإنهم ملاحقون بغية القضاء عليهم من قبل الدولة الرسمية، وهذا هو خطاب القيادة السياسية بعد الانتصار الأقرب الى شبه انتصار، وهنا نحن أمام مفصل حساس، مفصل ما بعد تحول موازين الكر والفر الى شبه انتصار، مفصل نشم منه رائحة الانتقام، خاصة وأن القوى الفاعلة في ساحة الوغى تتسم بروح طائفية مرئية ومسموعة ومحسوسة، وهذا الانتقام لا يمس الهاربين بجلدهم فقط بل قد يطال أهاليهم، وهنا تكون الطامة الكبرى إذا نحت الدولة الى وجهة الانتقام، الانتقام الذي يمتزج فيه الحاضر بالماضي البعيد، الانتقام بنفس طائفي وبروح مذهبية، ومن الانتقام تتولد روح الثأر، وروح الثأر مع الوقت تتعاظم الى أن يقول القدر كلمته بعد حين وفي موسم من مواسم الانتقام المضاد، وهكذا تتوالى أفعال الثأر بالثأر، والانتقام والانتقام المضاد، ويحترق الوطن... فمسئولية الانتصار للوطن تقتضي الترفع على زرية الإنتقام، وضرورة معالجة قضية من تبقى من جند تنظيم الدولة وأهاليهم بروح القانون الوطني الذي يحرص على صون الوطن ووحدته ولا يدع مجالا لزرع روح الثأر في أبناء هؤلاء الجند الذين استسلموا للدولة أو الذين تم القبض عليهم. هذا النهج غير الانتقامي ضروري من أجل مستقبل آمن ومستقر للعراق. ويجب أن لا ينسى المنتصرون أن هؤلاء الجند المهزومين هم مثل المنتصرين أبناء العراق، وأنهم في واقع الأمر ضحايا السياسات الخاطئة، تجنت السياسة عليهم فتأزمت حالهم مع ساسة الوطن فكانت لهم نظرتهم ووجهتهم في فك رباط الأزمة، فاختلفت رؤية عن رؤية، واشتعلت منها الكارثة... سياسة القادة هي المسئولة.
فالعراق بعد هذا الانتصار، الذي مازال شبه انتصار، يواجه تحديين كبيرين، التحدي الأول يتمثل في أخلاق المنتصر بالابتعاد عن الانتقام، والتحدي الثاني يتمثل في ضرورة التحول من النهج الطائفي الذي يشرذم الوطن ويفكك أوصاله الى النهج الوطني المدني الذي يعتمد النهج الديمقراطي والاقتصاد ذات التنمية المستدامة وبنهج عادل لتوزيع الثروة ومنهج تعليمي تربوي يعتمد العلم والثقافة الانسانية... وإلا فإن الانتكاسات والنكبات والكوارث ستكون حالات موسمية لا يمكن تفاديها مثلما فصول السنة والكوارث الطبيعة على سطوح الأرض...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا