x
x
  
العدد 10336 الخميس 27 يوليو 2017 الموافق 3 ذي القعدة 1438
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10326 الإثنين 17 يوليو 2017 الموافق 23 شوال 1438
 
 

في 24 من ديسمبر 2014 أعلن عن سقوط طائرة عسكرية أردنية ووقوع قائدها أسيرًا لدى ما يعرف بتنظيم الدولة «داعش»، يومها حبسنا أنفاسنا لأيام امتدت لأسابيع في انتظار معرفة مصير الطيار، لكن لم نكن لنلغي من المشهد واقعًا مفاده أن الطيار -الذي كان أسيرًا حينها- هو «ابن الجيش» منذ اليوم الأول لانتسابه إلى القوات المسلحة الأردنية، ووجوده في طائرة عسكرية لقصف تنظيم إرهابي ضمن قوات التحالف الدولي ضد الإرهاب هو وضع طبيعي لبلد يخوض معركة سياسية وأمنية وعسكرية ضد الإرهاب، ومشاركة الأردن في هذا التحالف قائمة على دوافع تتعلق بأمنه القومي وتبررها الجغرافيا فيما لو قررنا فقط النظر إلى الجغرافيا دون الاعتبـارات المهمة الأخرى!
لكن ما لم يكن طبيعيًا حينها هو التصاق مراسل قناة الدولة القطرية «الجزيرة» بمجالس عشائر الطيار الأسير بحثًا عن شيء واحد فقط، هو إلقاء اللوم على الدولة الأردنية التي ترسل طياريها لقصف التنظيم حتى يخيّل لمن كان يشاهد تقارير «الجزيرة» واللغة المستخدمة فيها أن الجريمة ليست وجود تنظيم إرهابي دموي يقطع الرؤوس ويستبيح
 أعراض الناس وأموالهم، ويرفع شعار «جئناكم بالذبح» مما يستوجب محاربته، بل الجريمة هي مشاركة الأردن في حلف يقصف داعش! وهو ما عبّر عنه حرفيًا -أحد إرهابيي تنظيم الإخوان المسلمين وجدي غنيم الذي كان حينها يقيم في قطر وأحد ضيوفها الأعزاء- حين أجاز في «فتوى إرهابية» إحراق الشهيد معاذ الكساسبة وهو حي يرزق، بل واعتبر قصف الطيار الكساسبة لمواقع «داعش» هو اعتداء على «المسلمين» وأفتى بعدم جواز اعتبار الكساسبة «شهيدًا»؛ لأنه قصف داعش! (1).
نعم، أرادت «الجزيرة» حينها أن تنتج «حقيقة» تصور فيها المشهد الأردني وكأنه على اختلاف مع قيادته ومؤسسته الوطنية المتمثلة بالجيش، لكن ما ان كشف التنظيم عن مصير الطيار في 3 من فبراير 2015 وانتشر الفيلم الذي يصور النهاية المؤلمة للطيار الأردني إلا وكان الشارع الأردني يكشف عن حقيقة واحدة فقط لا تخضع لتلاعب «الجزيرة» وهي نزول ملايين الأردنيين إلى الشارع لمطالبة الجيش بالثأر للشهيد معاذ الكساسبة وتنفيذ أحكام الإعدام بإرهابيين صادرة بحقهم أحكام الإعدام منذ سنوات، وليس الانسحاب من الحملة العسكرية على «داعش»! حتمًا هذه الحقيقة لم تكن تشبه على الإطلاق «الحقيقة» التي سعت الجزيرة إلى إنتاجها عن ساحة تنتشر التنظيمات الإرهابية في دولتين مجاورتين لها، ولا يفصل الإرهاب عن حدودها سوى بضعة كيلومترات، وهي حتمًا مسافة أقرب بكثير جدًا من المسافة الجغرافية بين قطر وليبيا على سبيل المثال لا أكثر!
 هذا مثال واحد من عدة أمثلة حول التعاطي الإعلامي لقناة الجزيرة والسياسة التي اتبعتها القناة في إنتاج «الحقيقة» للمشاهد تذكرناها ونحن نشاهد مندوب دولة قطر لدى جامعة الدول العربية وهو يقول إن «الحقيقة لا تغطى بغربال» خلال اجتماع الدورة 48 لمجلس وزراء الإعلام العرب ويحتكر مصدر هذه الحقيقة بقناة دولته «الجزيرة»، ويعتبر أن العالم العربي «للأسف يخشى من الحقيقة» حتى يخيل لمن يستمع إليه أنه مندوب «قلعة ديمقراطية» وسط عالم عربي تخنقه أنظمة ديكتاتورية، وقد قررت بلاده أن ترسله إلى الاجتماع كي يساعد وزراء الإعلام العرب على التخلص من «فوبيا» الحقيقة وكي يتعلموا من بلاده رفع سقف الحرية في بلدانهم!
ولأننا لا نريد أن نترك لـ «الكذب أن يدور الأرض في انتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها» (2)، فيبدو منطقيًا جدًا أن نتساءل هل حقًا قطر لا تخشى «الحقيقة» عندما يتعلق الأمر بالحقيقة في قطر؟! الواقع يقول إن قطر التي تتحدث عبر ذراعها الإعلامي «الجزيرة» عن الحريات والديمقراطية وتصنع أفلامًا وثائقية عن فساد السلطة في دول أخرى لا أحد شاهد على شاشتها «الجزيرة» منذ ولادتها قبل نحو 20 عامًا تقريرًا واحدًا يتحدث عن أهمية تطوير الحياة السياسية داخل دولة قطر والاتجاه نحو حياة برلمانية أو انتخاب مجلس للشعب، وكأن الحديث عن الحرية والديمقراطية وسلطة الشعب فقط للتصدير الخارجي ويحرم الحديث فيه داخل حدود قطر! كما أن الحقائق تقول إن دولة المندوب القطري تستطيع أن تقدس صناديق الاقتراع في دول أخرى -دون ان تؤمن بها داخل قطر- إذا كانت نتائج هذه الصناديق ستوصل جماعة الاخوان المسلمين الذين يتعاملوا مع الأدوات الديمقراطية كتذكرة «ون واي» يعبرون بها نحو السلطة ليبقوا بها عبر الديكاتورية!
هل حقًا قطر لا تخشى من الحقيقة وهي التي تمول إنشاء مؤسسات في عواصم أوروبية ـمن أجل برستيج المصداقية- وظيفتها منح «أجانب» جوائز عن الفكر الحر؟ وبالطبع ليس من بينهم قطري واحد، ولا أحد يسأل دولته في قطر عن الأموال الطائلة التي تنفق على «يافطة» مراكز بحثية ومطبوعات لا يبدو الإنسان القطري معني بها أو حتى هي معنية به أو موجهة إليه. وبالطبع لا أحد يسأل في قطر ما حقيقة المؤسسات الصورية و«شراء» الجوائز بمال دولة قرر مندوبها أن يعقب على كلمة وزير شؤون الإعلام البحريني علي الرميحي ليصفها بـ«المهاترات» لأنها أتت على حقائق حول قناة «الجزيرة» ويشخص حالة العالم العربي بـ«الخوف من الحقيقة» وتناسى حقيقة مهمة وهي أن الوزير البحريني يمثل دولة اختارات الديمقراطية والنهج الاصلاحي ولديها مؤسسات تشريعية منتخبة تتطور وتبني على تجاربها ولا تتراجع عن الخيار الديمقراطي، ولديها أجهزة تمارس الدور الرقابي بشقيه الاداري والمالي، وجمعيات سياسية لا وجود لمثلها على أرض الدولة القطرية، وشاشة تلفازها الرسمي هي شاشة بحرينية بامتياز وتتناول شؤونها المحلية وليست مخصصة لتصدير الأزمات والفتن والدم إلى محيطها العربي، والأهم لا أحد هنا يدفع «رشاوى» ويشتري «جوائز» لمنحها إلى «مخلفات» معهد «فان لير» الاسرائيلي المشبوه عن «الفكر الحر» الذي مهما حاول أي منا البحث باللغات العربية والإنجليزية او حتى العبرية عن النتاج الفكري لـ«مفكر» الدوحة خلال عمله في هذا المعهد -الذي يفترض انه متخصص بالثقافة والفلسفة والمجتمعـ لن يجد له أي بحث او دراسة، إلا اذا كانت أبحاث «مفكر» الدوحة خلال سنوات عمله بالمعهد الاسرائيلي كانت ذات طابع سري للغاية!
هل حقًا قطر لا تخشى من الحقيقة وهي التي تحرم على الصحافيين العاملين في قطر حقهم  بالتنظيم النقابي او وجود أي كيان يمثلهم ويدافع عن حقوقهم فيما تستطيع قناتها «الجزيرة» توزيع بيانات تنتقد فيها أوضاع الصحافيين في بلدان أخرى؟! هل الدوحة قادرة على التخلص من الخوف من الحقيقة لتنشر صحفها المحلية خبرًا واحدًا عن أوضاع العمالة الوافدة فيها الذين يشكلون أكثر من 94%‏ من القوى العاملة في قطر ـوهي أعلى نسبة قوى عاملة أجنبية مقارنة بالقوى العاملة المحلية على مستوى العالم وفق تقارير الأمم المتحدة (3)ـ وما يتعرضون له من انتهاكات صارخة لا سيما عمال الأبنية وخدم المنازل «المستعبدين» فيما يخرج علينا صحفي مثل عبدالله العذبة عبر قناة الجزيرة لينتقص من الدولة البحرينية وهو الذي يحتاج 500 سنة ضوئية لتكوين حالة فهم لحقيقة واحدة من عدة حقائق عن البلد التي انتقص منه وهي ان «جودة الحياة» أو ما يسمى «Quality of life» في البحرين ليس سيارات فارهة ولا رواتب باهظة ولا إغداق الأموال على محللين وصحافيين من دول عربية علاقتهم بقطر لن تتعدى ما ممكن ان يأخذوه من أموال «القطري»! بل جوهرها الانسان البحريني، وإلا لما كانت البحرين الأولى خليجيًا والتاسعة عالميًا في تقارير بنك «أتش اس بي سي» والأولى خليجيًا و19 عالميًا وفق تقارير مؤسسة «إنترنيشنز» الدولية كالمكان المفضل للإقامة والعيش بالنسبة إلى الأجنبي؛ لأن المسألة ليست من يدفع رواتب أكثر للاجنبي، بل «Quality of people» والحقوق وقوة القانون والجهاز القضائي والمؤسسات التي توفر سبل الحماية لحقوق الوافد وتحميه من الاستغلال!.
هل حقًا الدولة القطرية لا تخشى من الحقيقة وتحترم عقل مواطنها القطري حين تبدد أموال طائلة من مقدرات وطنه لشراء مساحات إعلانية على سيارات أجرة في لندن لتروج كذبة ان سائقي سيارات الأجرة في لندن يضعون أعلام قطر على سياراتهم «للتعبير عن تعاطفهم مع قطر في ظل الحصار»؟! وليس لأنهم باعوا مساحة الملصق الإعلاني لـ«علم قطر» على مركباتهم حاله حال أي إعلان لمنتج استهلاكي، وفيما تنشغل قناة «الرأي والرأي الآخر» بإنتاج فيلم وثائقي تتهم فيه السلطات في «المالديف» بالفساد المالي وتمنح الفيلم «جائزة» بالمال القطري، تغلق القناة «فمها» وتحجب عدستها تمامًا عن هذه الفضائح المالية للدولة القطرية ولا تلتفت لحق الانسان القطري في أن يحظى بالاحترام والتعاطف بناءً على حقائق وليس أكاذيب، ولا أن تدفع دولته مبالغ باهظة لشراء «وهم» التعاطف على هذا النحو المثير للسخرية!
نعم «الشمس لا تغطى بغربال»، وحتمًا يحتاج مندوب قطر لدى جامعة الدول العربية إلى أن لا يعتمد على «غربال» قناة «الجزيرة» الذي لم يغطِ «شمس الحقيقة» في قطر!


الهوامش
(1) حديث أحد أقطاب تنظيم الإخوان وجدي غنيم على قناة يوتيوب حول إحراق الطيار معاذ الكساسبة.
https:/‏‏/‏‏www.youtube.com/‏‏watch؟v=yDk44QZ9048&sns=em
(2) مقولة للكاتب الأمريكي الساخر مارك توين.
(3) https:/‏‏/‏‏www.hrw.org/‏‏ar/‏‏re port/‏‏2012/‏‏06/‏‏12/‏‏256330 تقرير الأمم المتحدة - بناء كأس عالم أفضل.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟