النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

العـــرب في أوروبـــا

رابط مختصر
العدد 10324 السبت 15 يوليو 2017 الموافق 21 شوال 1438

أسافر إلى أوروبا منذ ستينيات القرن الماضي، وفي العام 1982 اشتريت مبنى في لندن من مالكه المغني البريطاني كات ستيفنز، والذي اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى يوسف إسلام وأصبح منشدًا دينيًا.
عند قدومي لمعاينة المبنى وجدت أنه كان ممتلئًا بأناس موزعين على غرف الطوابق الستة، وتبدو عليهم معالم الفقر والتشرد، وكان «كات أو يوسف» يقدم المأوى لهم خلال الليل البارد والماطر، وعندما وصلت أخيرا إلى الطابق العلوي فتح لي «كات» الباب بنفسه فنظرت إليه بلحيته الكثة وقميصه الباكستاني مع طاقية صغيرة على رأسه. بدا وجهه كملاك متسامح ومحب بشكل لا يصدق، مع عيون لطيفة.
أخيرًا تملكت المنزل كاملاً، وحولته إلى مكان لعمل شركتي، بروموسيفن، وسكن لعائلتي، لكن على الرغم من تخلي صاحب المنزل عن وضعه واسمه السابق، بقينا نتلقى على مدى سنوات شيكات من مختلف أنحاء العالم موجهة لـ «كات ستيفنز»، وكنا نعيد إرسالها إليه باسمه الجديد: يوسف إسلام.
أكتب هذه المقال وأنا في إجازتي السنوية في لندن، وأرى عن قرب أن قصة «بيت يوسف إسلام» لا زالت تكرر نفسها في أوروبا بشكل أو بآخر، فأوروبا لم تتغير كثيرًا، ولا زالت نماذج كات ستيفنز المنفتحة على العرب والمسلمين حاضرة بقوة في الأوساط الليبرالية هنا، لكننا نحن العرب والمسلمين تغيرنا كثيرا، وزادت أعباؤنا على الأوربيين والعالم، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، ثم موجات النزوح الكبيرة التي أعقبت «الخريف العربي»، وأخيرًا الاعتداءات الإرهابية التي تحدث بين الفينة والأخرى في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها.
لقد رسم المغتربون العرب من لبنان وبلاد الشام وغيرها صورًا مشرقة لنا كعرب في الغرب على مدى المئة عام الماضية، وطالما أعربنا عن اعتزازنا بجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وغيرهم، كما أن الأطباء العرب في مستشفيات أوروبا يأتون في مقدمة الطبقات الاجتماعية هناك، وكم هو جميل سماع اسم محترف عربي في صفوف فريق لامع من فرق كرة القدم الأوروبية.
ولكن بالمقابل كم هو مؤسف رؤية بعض العرب في أوروبا وقد اختاروا العزلة بمحض إرادتهم، ويقاومون الاندماج إما لاعتقادهم أنهم متفوقون دينيا وثقافيا واجتماعيا وأخلاقيا – وهو اعتقاد مثير للسخرية والشفقة –، وإما من منطلق الإحساس بالنقص وانعدام الثقة بالنفس.
هناك الكثير من الفرص والمزايا التي تقدمها دول أوروبا لجميع سكانها، من نظام تعليمي متطور، وجامعات مرموقة، ومراكز أبحاث فكرية وتطبيقية متقدمة يمكن أن تثري عقول الشباب العربي في جو من الحرية المطلقة للبحث والنقاش والتفكير، كما أن لدى دول أوروبا مثل بريطانيا وفرنسا الكثير مما يمكن أن نأخذه منها كعرب غير صفقات السلاح، فهناك التقنيات الحديثة في الطب والصناعة والفضاء، وتطبيقات تطوير المدن، والنظم التعليمية، وغيرها.
لقد أعطت الهجمات الإرهابية في أوروبا فرصة لليمين المتطرف في هذه البلدان للتضييق على العرب والمسلمين، وأسهمت في صعود اليمين المتطرف في أوروبا، وأصبحنا نسمع علنًا دعوات لطرد العرب والمسلمين، وقصص من الاعتداء عليهم بل وإزهاق أرواحهم في بعض الأحيان.
لكن ما الذي نفعله كعرب ومسلمين مقابل ذلك؟ أن أقول لكم: لا زلنا نتبنى حلولاً جزئية وردات فعل وتبرؤ من ممارسات الإجرام التي ترتكبتها داعش باسم الإسلام في أوروبا، وهذا جيد، لكنه غير كافٍ أبدا.
يقدر عدد السكان العرب في أوروبا بنحو خمسة ملايين تقريبًا، يتمركزون بشكل كبير في الدول المتقدمة، كفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وإسبانيا، والدنمارك، لكن هل حضور العرب الثقافي والفكري والاقتصادي في أوروبا يعكس حضورهم الكمي؟ وأين موقع الجالية العربية في أوروبا مقابل الجاليات الأخرى مثل الجماعات الأرمنية والأمازيغية والباكستانية؟
أنا اتفهم قلق المثقفين والسياسيين والوطنيين وحماة الهوية الأوربيين، خاصة مع تضاعف أعداد المسلمين نتيجة الهجرة من جهة والخصوبة المدهشة لمواليدهم من جهة أخرى، مما سيسرع من التحول الديموغرافي الكبير المرتقب أن تشهده أوروبا خلال العقود القادمة، ويحضرني هنا دعوة أردوغان للأتراك في أوروبا بأن ينجبوا لا أقل من ثلاثة أطفال!.
إن الصراع لا يجب أن يكون بين أوروبا المسيحية وأوروبا المسلمة، بل بين أوروبا القديمة وأوربا المتجددة القادرة على صهر جميع الديانات والثقافات والأعراق والأجناس في بوتقة الحضارة والتقدم.
لقد أطلقت دول الشمال برامج دعم سخي من أجل تمويل دول الجنوب، أي دولنا نحن العرب في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لتحقيق جملة من الأهداف من بينها تقليص الفجوة وإيقاف الهجرة إليها، وإن أوروبا العجوز بحاجة ماسة إلى العقول والأيادي الفتية، ونحن بحاجة لعلومهم وثقافتهم وتنظيمهم، وفي عالم «القرية الصغيرة حيث التنقل والاتصال السريع» تصبح المعادلة التي تصب في صالح الطرفين هي مزيد من الانفتاح بين أوربا والعرب دون أن تطغى مصالح طرف على طرف، والسماح للعرب بالاستفادة من قدرات أبنائهم في بناء أوطانهم وامتلاكهم القدرات العلمية والتكنولوجية الحديثة، مقابل تحررنا نحن العرب من فكرة «الفتح العربي أو الإسلامي» لأوروبا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا