النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

قطر الشقيقة .. الواقع المُرّ

رابط مختصر
العدد 10313 الثلاثاء 4 يوليو 2017 الموافق 10 شوال 1438

بإعلان وزارة خارجية دولة قطر عن ردها على المطالب تكون قد أعادت بصيص الأمل لعودة قطر الشقيقة إلى شقيقاتها دول مجلس التعاون، وساعد هذا الإعلان بعودة الروح للروابط الجامعة بين كافة أطياف المجتمع الخليجي، والتي هي القواعد الأساسية لتأسيس منظومة (مجلس التعاون لدول الخليج العربية)، مما سوف يؤدي إلى تقريب المسافات ورأب الصدع بين الأشقاء في البيت الواحد، خصوصًا مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي على خط الأزمة، لتصبح سلاحًا فتَّاكًا يُشطِّر الشعوب الخليجية بالحملات الإعلامية التي تقودها شخصيات مجهولة وأخرى معروفة، لتتجاوز تلك الحملات كل الخطوط الحُمر التي تحكم العلاقات، وتتبارى الحسابات المعروفة والوهمية في بثّ روح الكراهية والحقد في قلوب الشعوب الخليجية باستخدام أبشع العبارات وأكثرها بذاءة.
ومع تفجّر الأزمة الخليجية في (5 يونيو 2017م) أصبح مجلس التعاون يسير في طريقٍ ضبابيّ مجهول، خصوصًا بعد أن رفضت قطر المطالب الخليجية لتؤكد استمرار دعمها للعنف والإرهاب ولجوئها إلى (الخارج) لإيجاد حل ينقذها من تبعات الأزمة الخانقة التي تسبَّبت بها، بينما الواقع يقول إن الحل موجود بين ظهرانَيّ البيت الخليجي وليس خارجه، كما أن الحكمة والقراءة الموضوعية لإرهاصات الأزمة تؤكد أن الحل يجب أن يظل خليجيًا خالصًا دون أي تدخل خارجي إطلاقًا.
فلقد قام أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون - ومن بينهم سمو أمير دولة قطر - بالتوقيع على اتفاق الرياض في 16 نوفمبر 2014م، والتوقيع يعني الموافقة على تنفيذ ما جاء به من بنود سبعة هي: (التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول الخليج والدول الأخرى، وعدم تجنيس أي مواطن من مواطني دول مجلس التعاون، وإبعاد كل العناصر المعادية لدول المجلس عن الأراضي القطرية، وقف التحريض الإعلامي، وعدم السماح للرموز الدينية باستخدام منابر المساجد ووسائل الإعلام القطرية المختلفة للتحريض ضد دول مجلس التعاون، ووقف كافة أشكال الدعم المقدَّمة لجماعة الإخوان المسلمين، والتوقف عن التحريض ضد جمهورية مصر العربية).
إلا أن عدم التزام دولة قطر بتنفيذ أي من تلك البنود خَلَقَ حالة عدم الثقة بينها وبين دول المجلس ليتفجَّر الوضع يوم  5 يونيو 2017م ويتمّ تقديم قائمة مطالب إضافية لمعالجة الأزمة تلخَّصت - إضافة إلى بنود اتفاق الرياض -  في: (تخفيض التمثيل الدبلوماسي والحَدّ من التعاون التجاري وقطع أي تعاون عسكري أو استخباراتي مع إيران، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية فورًا ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا على الأراضي القطرية، وقطع العلاقات مع كافة الأفراد والكيانات الإرهابية المدرجة على قوائم الدول المقاطعة، وإيقاف كافة أشكال التمويل للأفراد والكيانات والمنظمات الإرهابية المدرجة على القوائم الخليجية والأمريكية والدولية المعلنة، وتسليم العناصر الإرهابية المطلوبة المدرجة على تلك القوائم، وإغلاق قناة الجزيرة والقنوات التابعة لها)، لتقوم دولة قطر وبكل أسف بتسريب تلك القائمة عن طريق تركيا المدافع الشرس عنها، والتي ندَّدت بالمطالب في تدخل سافر في الشؤون الخليجية الداخلية، إلا أن ذلك ما كان ليكون لولا الترحيب القطري المؤسف بذلك، ورفضت تركيا إغلاق قناة الجزيرة باعتبارها منبر لحرية الرأي والتعبير في تناقض ملفت لِمَا قام به (أردوغان) قبل أقل من عام واحد من إغلاق عشرات القنوات الإخبارية والصحف اليومية واعتقال الآلاف من المعارضين له بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ليل (15 يوليو 2016م)، كما قام البرلمان التركي فور إعلان الدول الأربع بمقاطعة الدوحة إلى المصادقة على مشروع قانون يسمح بنشر وحدات من القوات المسلحة التركية على الأراضي القطرية، ليتمّ التنفيذ الفوري لذلك في مسعى لتعقيد الأزمة.
ليؤكد كل ذلك على التحالف المقدس بين الطرفين القطري والتركي في إطار الفكر الإخواني الذي وجدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية ضالتها؛ لاعتماده على التآمر والتخريب بإدارة سياسية تركية واستغلال مالي قطري، لتلتقي أهدافه مع أهداف خطة (الفوضى الخلاَّقة) التي أعدّتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في (أبريل 2005م) لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد) كردَّة فعل مباشرة لأحداث (سبتمبر 2001م) لتغيير الأنظمة العربية القائمة إلى أنظمة تعددية ديمقراطية تحت شعارات فضفاضة كحماية حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة والإصلاح السياسي والاقتصادي، لينتج عن تنفيذ تلك الخطة في نهاية عام (2010م) سقوط عدد من الأنظمة العربية في بحر الفوضى السياسية والأمنية المستمرة حتى اليوم.
وبالعودة إلى الأزمة الخليجية، وعند التركيز على الدور القطري في زعزعة أمن واستقرار المنطقة، نجد الآتي:
أولًا: الأزمة في حقيقتها هي أزمة (سياسية وأمنية) لا علاقة لها إطلاقًا بأي جانب عسكري يستدعي اللجوء لقوات خارجية كما فعلت دولة قطر التي ضربت بتلك الخطوة بعرض الحائط كافة الاتفاقيات الأمنية والعسكرية والدفاعية الموقعة في إطار دول مجلس التعاون منذ تأسيسه عام (1981م)، لذلك فإن الانفراد بالتحالف مع دول خارج النظام الإقليمي الخليجي، ودعم ورعاية الأفراد والكيانات الإرهابية كتنظيم داعش وجبهة النصرة وحزب الله وجماعة الإخوان المسلمين، أدى إلى خرق أساسات منظومة مجلس التعاون، وهو ما يُوقِع دولة قطر أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما، فإما العودة إلى البيت الخليجي عبر الالتزام بالاتفاقات والمعاهدات الدفاعية والأمنية والثنائية الخليجية، أو الخروج من هذه الدائرة والاحتماء بالدعم الإيراني والتركي، والذي اتضح جليًّا الدور المشبوه الذي تلعبه هاتان القوتان الإقليميتان في الاستفادة من إشعال فتيل الأزمة رغم التداعيات السلبية والخطيرة جدًا لاستمرار تدخلهما في الشؤون الداخلية الخليجية.
ثانيًا: توقيع أمير دولة قطر الأمير تميم بن حمد آل ثاني على (اتفاق الرياض) في (نوفمبر 2014م) يُعَدّ التزامًا أدبيًا لتنفيذ بنود الاتفاق الهادف للتوصل إلى حل جذري للمشاكل الناتجة عن التصرفات القطرية غير المقبولة وغير المسؤولة التي تعرّض أمن واستقرار دول الخليج للخطر الشديد كونها هي المُستهدَفَة من التخريب ونشر الفوضى من قِبل أفراد وتنظيمات إرهابية مقرها الدوحة أو مدعومة من قبلها والمشاركة في مؤامرات قلب الأنظمة الخليجية بالتآمر مع دول عربية وأجنبية والاستعانة بمنظمات مدنية دولية وتوجيه قناة الجزيرة للقيام بدورها التخريبي ودعواتها التحريضية من خلال برامجها وأفلامها وأخبارها الكاذبة والملفقة عن دول المجلس خصوصًا المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين.
ثالثًا: التدخل القطري المباشر في الشؤون الداخلية لمملكة البحرين باستغلال أحداث (فبراير 2011م) لتنفيذ (خطة استعادة الجنسية)، وتقديم إغراءات للبحرينيين للهجرة إلى قطر والحصول على الجنسية القطرية وما يرافقها من امتيازات مادية وأدبية واجتماعية، والتركيز على العسكريين والمواطنين البحرينيين من قبائل وعائلات معروفة، وتمّ تجنيد شخصيات بحرينية حصلت على الجنسية القطرية في وقت سابق للقيام بهذه المهمة، ومخالفة الدستور القطري والقانون الذي يشترط ( الإقامة في دولة قطر مدة لا تقل عن ثلاث سنوات للحصول على الجنسية)، وذلك كلّه في إطار عملية تجنيس كبرى هدفت إلى التعرف على الأسرار العسكرية لقوة دفاع البحرين وخلخلة الواقع الاجتماعي البحريني وتفريغه من القبائل العربية الكبيرة والعريقة للتأثير على المدى المتوسط والبعيد على التركيبة الديموغرافية، وقد قامت مملكة البحرين بتقديم نماذج لعمليات التجنيس هذه إلى غرفة العمليات السرية الخاصة بتنفيذ اتفاق الرياض التكميلي.
رابعًا: الدعم القطري اللامحدود للمعارضة البحرينية من خلال الاتصالات المتبادلة بينها وبين أعلى المستويات في القيادة القطرية، والاتفاق على إنشاء قناة تلفزيونية للمعارضة، وتخصيص مساحات إعلامية واسعة على قناة الجزيرة لبثّ البرامج الإخبارية الملفقة والأفلام الكاذبة حول أحداث البحرين والمحرضة على الفتنة والانشقاق في المجتمع البحريني، وبثها باللغتين العربية والإنجليزية مرارًا وتكرارًا بهدف كسب المزيد من الدعم للمعارضة البحرينية وعلى الأخص دعم الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان.
خامسًا: تبنّي وتمويل واحتضان مراكز الدراسات والأبحاث والمنظمات الفكرية المشبوهة التي تمارس حراكًا مضادًا لدول مجلس التعاون عبر إصدار التقارير والدراسات المغلوطة حول أوضاع الحياة العامة في الخليج وتنظيم الفعاليات والمؤتمرات والندوات والورش المناهضة لدول المجلس ودعم ومساندة منظمات المجتمع المدني المعارضة، ومن أبرز تلك المراكز ( المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) الذي يديره عزمي بشارة، ( مركز الخليج للتنمية) ويديره محمد صالح الكواري، ( أكاديمية التغيير) التي يديرها هشام مرسي صهر الشيخ
يوسف القرضاوي زعيم الإخوان المسلمين، (مركز بروكنجز الدوحة) الذي يرأس مجلس إدارته الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية السابق.
لقد وصلت المغامرة والتصرفات اللامسؤولة بقطر إلى طريق محفوف بالمخاطر، ولأن الدول المقاطعة (المملكة العربية والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، وجمهورية مصر العربية) ليست معنيّة بأي وساطات من أي جهة ، فإن هذا يتطلَّب من الدوحة وبعد انتهاء المدة المقررة بالامس بالتوقف عن هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر ومراجعة الوضع الراهن ومعالجته بالتنسيق والتعاون مع أشقائها، وعدم الارتماء في أحضان الدول الإقليمية المجاورة والاعتماد عليها في انتشالها من الوضع المؤسف الذي آلت إليه، نسف أكثر من 36 (عامًا) من الإنجازات التي حقّقها البيت الخليجي في إطار منظومة مجلس التعاون. وما أتمناه من أعماق قلبي ان تكون عودة حكيم العرب وامير الانسانية الى الكويت بعد قطع إجازته العلاجية بالهند، مؤشرًا إيجابيًا لتجاوب الدوحة مع المطالب الخليجية ونجاح جهود سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد جابر الصباح بالضغط على الدوحة للوصول الى حل ينهي الخلاف الى غير رجعة ويضع أسسًا قوية وثابتة للعلاقات الخليجية الخليجية.

* المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا