النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الثقافة الاستهلاكية

رابط مختصر
العدد 10311 الأحد 2 يوليو 2017 الموافق 8 شوال 1438

الثقافة الاستهلاكية هي أحد إفرازات التطور الصناعي والتكنولوجي في العصر الحديث، وهي رديف ما سمي بالصناعة الثقافية، اذ لم تعد الثقافة نشاطًا قائمًا بذاته ومستقلا، بل أصبحت في حالة من التبعية للصناعة، تلك التي تتبع أهداف السوق، وفكرة الربح المادي، مما جعل الثقافة تتبع أهواء الربح المادي. أي أن الثقافة أصبحت سلعة من الممكن المتاجرة بها وجني أرباح طائلة من ورائها.
نحن كلنا الآن واقعون تحت سطوة ما اسماه الفيلسوف الألماني المعاصر أدورنو بـ [ تصنيع الثقافة]. أي تحويلها الى بضاعة، وتعتبر الولايات المتحدة الامريكية، هي أكثر الدول التي تصنع هذه الثقافة وتصدرها للعالم كله.
يقول ادورنو [إن الثقافة لم تعد تتخذ لها مكانا في بنية مستقلة نسبيا وإنما أخذت ترضع من البنية الاقتصادية]. وتذكر الإحصائيات ان 65%‏ من المادة الإعلامية في العالم تأتي من أمريكا. وتحتوي هذه المادة نتاجات متنوعة في الثقافة. وباء الثقافة الاستهلاكية انتشر في كل الأقطار العربية، فنحن جزء من هذا العالم الذي يتطور بصورة سريعة لا تسمح لنا للتفكير بهدوء لرسم سياسات ثقافية مناسبة للمستجدات السريعة من حولنا، لكن الوضع الثقافي في الخليج يتفاعل بدرجة اكبر مع هذه التحولات بسبب الثروة النفطية.
هذه الثروة، سمحت لقطاع واسع من الناس بامتلاك الأجهزة الحديثة، التي تضخ كمًا هائلاً من الثقافة الاستهلاكية المصنعة في أمريكا والغرب، فمن بين 500 فيلم أمريكي عرض في دول الخليج في فترة زمنية محددة، كان موضوع الجريمة والجنس والحب، يشكل ما نسبته 72%‏ من هذه الأفلام.
ثقافة العنف لا ينجو منها الأطفال أيضا فهي موجودة في أفلامهم وألعابهم الالكترونية. ويصرف الأمريكيون على هذه الألعاب والأفلام 16 مليار دولار سنويًا ثم يصدرونها الى كل الأمصار. وهذه والأفلام تصيغ تفكير الأطفال ومثلهم العليا ونمط حياتهم.
وقد أجري بحث في فنزويلا لاستقصاء أثر هذه الثقافة الاستهلاكية علي عقول الأطفال الفنزويليين، مقارنة بتاثير الثقافة الوطنية عليهم. في هذا البحث طلبوا من الأطفال ذكر الشخصيات التي تشكل المثل الأعلى في البطولة، فجاءت النتيجة كالتالي: 86.3% من الأطفال اختاروا شخصية أمريكية و7.9%‏ فقط اختاروا شخصية فنزويلية. هذا الاستبيان أوضح مدى تأثير الثقافة الاستهلاكية الامريكية على أطفالهم، ولسنا في منجاة من هذه المصيدة فالثروة النفطية الهائلة في الخليج اتاحت الفرصة لامتلاك هذه الألعاب والأجهزة بشكل واسع.
نحن نعيش في سعار جني الأرباح الذي تصيغه هذه الصناعة الاستهلاكية التي ينتجها السوق، وتشكل ثقافة اجيالنا من كل الإعمار.
لقد تهاوت الحدود الجغرافية بين الدول امام الاقتصاد العابرللقارات، ومعها انهارت الحدود الثقافية في كل مكان، أوروبا وأمريكا الآن يتحكمان في السوق الثقافية، وبما يسمى السوق الدولية للأفكار، في هذه التجارة الاستهلاكية نحن نشتري الكثير من البضائع الثقافية الفاسدة التي تمسح هويتنا الوطنية وتصيغ قيمًا جديدة يغدو فيها المال هو سيد الجميع، ووسائل جمعه ومضاعفته هو قمة النجاح، وفي هذه الثقافة تنمو الأنانية وحب الذات.
مظاهر التصنيع الثقافي المشوه يمكننا ان نلاحظها في صناعة السينما في هوليود، اذ ينتج فيها الكثير من الأفلام الربحية التي تعتمد على الإثارة والعنف والمغامرات، دون ان تحمل مضمونًا فكريًا أو ثقافيا، انه استهلاك ثقافي للمتعة وإضاعة الوقت. الأمور تسير على هيئة فوضى عارمة، وفي سباق متصل لجمع اكبر قدر ممكن من الأرباح، ولسنا هنا ضد التكنولوجيا المتقدمة والسريعة التي استخدمت في الاستهلاك الثقافي، لكننا في أمس الحاجة الى موازنة وملائمة المنتج الجديد مع الأهداف الثقافية الأخرى، واعتقد ان ذلك هو مسؤليتنا كجماعة وكافراد، فالذين اخترعوا الانترنت أو وسائل الترفيه التكنولوجية الأخرى، لم يفكروا في تأثيرها على قراءة الكتاب، وصناعة السينما في هوليود لا تفكر في تأثير افلامها على النشء، كما لم يفكر المخترعون للتلفزيون وهم يضيقون وقت الأفراد أنهم يبعدونهم عن قراءة الكتب أو حضور الندوات، وهذا ما يحدث. وعلينا ان ننسق حياتنا، بما يسمح لنا بالتنقل بين البساتين وقطف أحسن الثمار وأنفعها.
وفي العموم لا يجب ان نفزع من هذا الاختلاط الثقافي الذي يحدث في العالم بين الشعوب والامم، اذ مع كل هذه الشوائب التي قد تفسد ثقافتنا، هناك فوائده كثيرة لا تعد ولا تحصى جاءتنا من هذا الاختلاط الكوني الجديد والمذهل، انها التكنولوجيا التي راحت مخترعاتها تتواتر وتنمو وتتسارع، وتتركنا في لهاث كبير، راكضين خلفها، وهي باتت تتحكم في حياتنا وتحدد لنا مساراتنا، ونمط سلوكنا وطباعنا الصغيرة والكبيرة.
لا داعي للجزع فالكثير من الاجهزة الحديثة هي أوعية ثقافية جيدة اذا عرفنا كيف نتواصل معها، مثل التلفزيون والانترنت والسينما الجادة، تلك التي تحمل معها الكثير من صور الثقافة الراقية، الاندماج الكوني الحالي فيه أيضا فوائد كثيرة ثقافية وفكرية وأدبية وفنية.
نحن قبل هذا الاندماج لم نكن نطلع على خبرة الثقافة الغربية المتقدمة علينا بمراحل، نحن نستفيد من هذا الاحتكاك والتفاعل كثيرًا، اذ اصبح الانسان العربي قادرًا بعد هذا الاحتكاك على معرفة ما يجري في العالم المتقدم. كما تؤدي هذه الثقافة المتطورة الى بلورة فكر الانسان العربي المقيد بالثقافة التقليدية.
أصبح الانسان العربي بعد هذا الاحتكاك يقارن بين التقدم في الغرب والتأخر في الشرق، والكثير من الأسئلة على هذا النمط ستقوده مع الوقت الى اكتشاف الأسباب والحلول. الأجهزة الحديثة ليست شرًا خالصًا ولا هي خير خالص. إنها مزيج من هذا وذاك، وعلينا ان ننتقي ما ينفعنا ونترك ما يضرنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا