النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

رغم التطور مازال الإنسان عدوانيًا أسير الأنا

رابط مختصر
العدد 10306 الثلاثاء 27 يونيو 2017 الموافق 3 شوال 1438

منذ بداية البدايات، تلك البدايات التي يستعصي على الإنسان تأريخها، والإنسان في أبسط أنماط تشكله يحتمي بقدراته البدنية والذهنية للمحافظة على كيانه البسيط، من أسرة او عشيرة ما قبل القبيلة، وطبعاً ما قبل الدولة، يحتمي ويحمي الاسرة والعشيرة ضد أي اختراق وانتهاك واعتداء، ويدافع عن رقعة الأرض التي يعيش عليها وعن الموارد الطبيعية التي يستعيش منها وعليها. اعتماداً على ملاحظات وبحوث علماء الأنثروپولوجيا لنمط حياة التجمعات البشرية في أمريكا واستراليا، ونشير هنا أساساً الى العالم الامريكي لويس مورغان، وهذه الدراسات والبحوث تعطي صورة أوضح للحياة البدائية للإنسان، وكذلك اعتماداً على مَلَكَةِ الخيال الذكي عند الإنسان، بإمكان الإنسان أن يرسم صورة قريبة من واقع الحياة في زمان بداية البدايات.
منذ تلك البدايات والإنسان جمعٌ وأرض ومعاش، في مجموعات منتشرة على أرض الله الواسعة. هذه كانت هي البذرة التي تفاعلت من علاقاتها عمليات تاريخية على المنحى التطوري إلى حاضرنا الحضاري، مروراً من مرحلة التوحش، حيث تجمعات بشرية صغيرة دون هوية، ومنها الى البربرية، حيث التجمعات البشرية أخذت أشكالاً عائلية وعشائرية وأرقاها كانت القبلية وهي مرحلة ما قبل الدولة والوطن، إلى مرحلة الحضارة التي تشكلت في أعلى مراحلها دولة القانون والوطن والمواطن، والتي يتبختر الإنسان اليوم في جنباتها وفي أروقتها وفي فضاءاتها الفكرية ويتجاذب مواردها الطبيعية بين كَرٍّ وفَرٍّ، بين سلطة وسلطات أخرى وبين نهج سياسي ونهج سياسي آخر، ومن حرب إلى حرب، دون توقف ودون رحمة في ساحات نحر الذات البشرية وهدر كرامة الإنسان و اغتيال الإنسانية...
ورغم أن الحضارة هي النمط الأرقى للتجمعات البشرية، ورغم أن هذه الحضارة مكنت الانسان من التطور العلمي والتكنولوجي، إلا أن هذه المرحلة المتقدمة من مسيرة البشرية قد شهدت صراعات أكثر كارثية على الانسان من مرحلتي التوحش والبربرية، و رغم أن الحضارة كذلك تميزت بتطور المفاهيم الفلسفية الجمالية والحقوقية والإنسانية، إلاّ أن الصراعات والحروب مازالت تتوالى وبأشكال أشد فتكاً بالانسان، في مرحلة التوحش كان الصراع وجهاً لوجه والضحايا على عدد أصابع اليد، وفي مرحلة البربرية ومع تطور الرمح والسيف كان ضحايا الحروب في أكثر اشكالها شراسة وعنفواناً بالمئات وفي بعض الأحيان بعضاً من الألوف، أما اليوم فإن قنبلة واحدة كفيلة بمحو مائة ألف إنسان في لحظة واحدة، إضافة الى القنابل النووية والكيميائية والجرثومية التي من شأنها وقدرتها محو أمة بكاملها من على سطح الوجود، وهذه المقدرة الكارثية بجهوزيتها الوقتية السريعة التي يمتلكها إنسان الحضارة يذكرنا بالتهديد الذي وجهه رئيس الوفد الأمريكي إلى باكستان بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 حين قال رئيس الوفد الامريكي لمدير المخابرات الباكستانية بصريح العبارة مهدداً إن لم تتعاون باكستان مع أمريكا فإن أمريكا ستعيد باكستان الى مرحلة ما قبل التاريخ، وهو بهذا التهديد كان يعلم علم اليقين بان أمريكا تمتلك تلك القوة التدميرية لسحق دولة ببشرها وحجرها وما تحت أرضها.
فمرحلتنا الحضارية المتقدمة والراقية!!! أضحت أكثر وبالاً وكارثية على الجنس البشرى من المراحل البدائية السابقة من توحش وبربرية، وحَرِيٌّ بالانسان أن يترحم على مرحلتي التوحش والبربرية، ففي تلك المراحل لم يكن بإمكان الانسان أن يدمر الارض بمن عليها، والدول النووية الكبرى تتباهى بقوتها عندما تعلن صراحة بأنها تمتلك قدرات عسكرية يمكنها تدمير العالم مئات المرات، هذا هو التعبير عن هوس القوة عند الانسان المتحضر، لأن التدمير الاول لن يبقي من الأرض والبشر شيئاً لتدميره ثانية، فكيف بمئات المرات من التدمير، إن التقدم العلمي والتكنولوجي تحول من نعمة للإنسان الى نقمة عليه، و هذا التقدم يُمَكِّنُ المتقدم المقتدر على ابتزاز الدول الأضعف واحتوائها ونهب مواردها وحرمان شعوبها من الاستمتاع بمواردها الطبيعية وجهودها البشرية، وهي تعيش في فقر ورعب تحت هيمنة سادة العلم والتكنولوجيا، وهذا الاقتدار العلمي الحضاري خلق تنافساً تناحرياً بين الأنداد في العلم والتكنولوجيا، وعادة ما ينحصر التناحر الندي بين قطبين من قوى الاقتدار العلمي، وهذا التنافس على الهيمنة يحفز كلا الطرفين في خوض سباق مجنون على التسلّح دون حدود، فيبتلع هذا السباق العسكري مقدرات الدول على حساب حياة الشعوب ورخائها وأمنها وتقدمها الطبيعي السليم والآمن.
 وهذا السباق كفيل ذات يوم أن يتفجر بسبب خطئ بشري أو خلل تكنولوجي أو هوس استعلائي يُرْجِعُ الانسان الى ما قبل بداية البدايات وفي أجواء بيئية ملوثة مسمومة غارقة بالمواد النووية الاشعاعية والجرثومية والكيميائية يستحيل على من تبقى من البشر أن يستمر في حياة بدائية جديدة، عندها تكون الطبيعة أمام مهمة صعبة و حرجة، إما قوى الطبيعة تتمكن على مدى ألوف السنين من تطهير الارض وإعادة تأهيلها لتنامي وتطور أشكال حياتية جديدة بدءاً من الخلية وتقسيماتها المتلاحقة الى تطور بناء فيسيولوجي الى أشكال أنماط حيوانية ونباتية متعددة مثلما شان الطبيعة في بداية دوراتها التطورية، أو أن الأرض تصبح في حالة من التلوث القاتل الدائم الذي يستحيل معها أي فعل من قوى الطبيعة...
وللأسف فان الانسان مع هذا الجنون في سباق التسلّح و مع هذا الجشع غير المحدود وغير الأخلاقي من أجل أن يصبح إلهاً جباراً قاهراً على الارض يستغل أخيه الانسان، فإن مصير البشرية على كف عفريت العلم والتكنولوجيا، وكل الدراسات والانتاج الفكري الانساني في مجالات الفلسفة وعلم الجمال والفن والذوق الرفيع، كلها وعلى رأسها الأديان لم تستطع أن تهذب وتزيل النزعة العدوانية والانانية من عمق النفس البشري، فهذه النزعة الانانية الجانحة بطبيعتها الى العدوان والاستغلال والاستحواذ والتَألُّهْ لم تتغير عند الانسان منذ بداية البدايات، ولكن مع تطوره العلمي، سخر هذا التطور في تغذية أنانيته و تطوير سبل عدوانيته واستغلال أخيه الانسان... فالإنسانية بمرادفاتها وشاعريتها وأخلاقياتها ما هي إلاّ أكذوبة يخدع الانسان بها نفسه ليغطي على سوآته... فالإنسان هو مدمر ذاته طالما أنه مازال يعيش تحت سطوة رذيلة التفرد في الأنا بعيداً عن فضيلة الجمع والاشتراك في نحن معاً كلنا... وآخر الخروج على هذا الجمع والعمل المشترك كان رفض الرئيس الأمريكي المشاركة مع المجموعة الأوروبية في التوقيع على وثيقة باريس بخصوص حماية البيئة من تزايد الاحتباس الحراري...
وللفيلسوف البريطاني برتراند راسل آراء في هذا المنحى يعبر عنها في كتابه «عالمنا المجنون»...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا