النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

البلدوزر.. درس من هناك..!!

رابط مختصر
العدد 10285 الثلاثاء 6 يونيو 2017 الموافق 11 رمضان 1438

عندما توجد في أي بلد إرادة سياسية مقرونة بالجدية اللازمة فيما يخص محاربة الفساد والتصدي للفاسدين، ويكافح الفساد على أوسع نطاق في كل مجال وعلى كل صعيد، ينصلح حال البلد، وتتحسن احوال مواطنيها، وينمو اقتصادها، وتتحقق فيها التنمية المستدامة، وتتعزز ثقة المستثمرين واصحاب الأعمال في بيئة أعمالها واستثمارها.
الأمثلة والتجارب في هذا الخصوص تأتي عادة من الغرب، الا انها تأتي هذه المرة من شمال افريقيا، وتحديدًا وحصرًا من تنزانيا، من يتابع ما يجري هناك يشعر بما هو جديد، ولافت، وباعث على التأمل منذ ان تولى جون ماغافولي رئاسة البلاد في العام الماضي، فالرجل وجد ان الفساد في بلاده موجود في كل مكان، في الفكر والتطبيق، في الهدف والأسلوب، في السياسة والمنطق، في أساس البناء، في المقاول والمتعهد والمنفذ والمشرع، والرقيب، حتى كادت ان تصبح مواجهته وهمًا، وبالرغم من كل ذلك ولأنه رجل لم يتلوث تبنى مشروعًا إنقاذيًا عنوانه محاربة الفساد، ركز على تطهير البلاد من الفساد والتخلص من الفاسدين والمفسدين، وعلى هذا الأساس التفت التنزانيون حوله، رفعوا شعار «ليس بيننا وبين الفساد إلا المواجهة»، اكتسب الرجل مصداقية كبيرة لأكثر من سبب، يكفي ان سجله كان حافلاً بالنزاهة والنظافة منذ ان كان وزيرًا للأشغال العامة، ولأن الناس هناك مكتوون بأشكال شتى من الفساد السياسي والمالي والاداري، فقد وجد الرجل من يسانده من أبناء الشعب التنزاني، رحبوا بكل الإجراءات والتدابير التي اتخذها، وبالأساليب المبتكرة التى ابتدعها، اطلق عليه فى بلاده اسم «البلدوزر»، وقاهر الفساد، وأصبح رمزا وطنيا في محاربة الفساد والهدر والتسيب والفساد.
تحقيقًا لأهدافه بدأ ماغافولي باختيار 19 وزيرًا وهو نصف عدد وزراء سلفه، المهم انها اسماء الغبار عليها، لم يأت بفسدة ليحاربوا الفساد، أجبر وزراءه وكبار المسؤولين والقضاة على الكشف عن ارصدتهم وممتلكاتهم، وهدد كل مسؤول لا يوقع على تعهد النزاهة، حمل شعار «المكنسة» لتطهير البلاد مما كانت مبتلية به، قام بزيارات مفاجئة لمواقع تشييد الطرق والمشاريع لكشف أنشطة الفساد، وانتشرت اخباره عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتوتير ووسائل الاعلام مما ساهم في نشر ثقافة المواطنة والتقشف ومحاربة الفساد، ألغى مظاهر البذخ في الاحتفالات الرسمية، عاقب موظفي الخدمة المدنية المقصرين والذين لا يلتزمون لا بدوام ولا انتاج، فتح ملف المعايير التي تم تعيين المسؤولين على اساسها، امتلك الجرأة في اتخاذ إجراءات صارمة ضد عشرات الآلاف من الموظفين الفاسدين في القطاع العام، في زيارة مفاجئة - نقول مفاجئة - وغير مرتب لها، زار المستشفى العام الرئيسي، وجد مرضى ينامون الأرض فأقال على الفور مدير المستشفى وحلَّ مجلس ادارته، وقام بزيارة مماثلة لميناء دار السلام واكتشف تجاوزات ضريبية من كبار المسؤولين بالميناء فأحالها جميعًا للتحقيق الجنائي.
الرجل لم يكتفِ بذلك، قام قبل نحو شهرين، في ابريل الماضي تحديدًا بفصل قرابة عشرة آلاف موظف حكومي ومن ضمنهم مسؤولون كبار بعد اكتشاف انهم حملة شهادات علمية مزورة، أمر بنشر أسمائهم وفضحهم، فعل ذلك بعد اقل من عام من حملة مماثلة كشفت عن وجود عشرين ألف موظف دون الحاجة ويتقاضون رواتب ويحصلون على امتيازات دون ان يقدموا شيئًا، وتوجه للكبار وأقال عددا من المسؤولين البارزين على خلفيات فساد، منهم من كانوا يستميلون المتمايلين، ويشترون الولاءات من صحفيين وإعلاميين وغيرهم برشاوى شهرية، من بينهم رئيس جهاز مكافحة الفساد، تصوروا..!! قلص بعثات بلاده في المؤتمرات والمشاركات الخارجية، وألغى كل مظاهر البذخ والتبذير، ومنع سفر المسؤولين للخارج إلا بترخيص منه شخصيًا، أعلن بأن هؤلاء عليهم واجب الاهتمام بالمشاكل الداخلية، أما السفراء فعليهم ان يهتموا بها في الخارج..!!
تدابيره الصارمة في محاربة الفساد نالت الاستحسان والثناء والتأييد، بل والمساندة حتى من معارضي النظام، احد قادتهم قال: «لقد بنينا معارضة قوية قائمة على أساس اجتثاث الفساد والإصلاح.. والآن لدينا رئيس يحارب الفساد بضراوة ودون تردد، وكأنه قرر الانضمام إلينا لبلوغ الهدف المنشود، فلماذا نعارض..؟!».
من أقواله «إن الصمت عن الفساد يزيد من فساد الفاسدين»، و«لا شيء يحمي الدولة من الخراب سوى سياسيين نزيهين وصادقين في العطاء والعمل والانجاز، وأسوأهم أولئك الذين جعلوا الدولة عندهم مطية ووضعوا الأخلاق في قفص اتهام»، وانطلاقًا من ادراك الرجل بأن ارادته تلتقى مع ارادة مواطنيه، وهي إرادة لا يمكن تجاهلها بالنسبة لأي بلد، والى شعب، وليس من حسن الفطن تجاهلها، فقد باشر بوضع الأسس التي تكفل بناء أركان دولة لا يعبث فيها احد بالوطن بأي شكل كان، وهل هناك ما هو اخطر من الفساد على مستقبل الأوطان..؟!
ابحثوا عن اسم جون ماغافولي في «جوجل» ستكتشفون إنكم امام قائد مختلف، يكفي ان اسمه ارتبط بمكافحة الفساد، وبحب مواطنيه له لانه يقوم بالمهمة على أحسن وجه ممكن، لم يقل للفاسدين «عفا الله عما سلف»، او يردد لهم «اذا بليتم فاستتروا»، ولم يضع خطوطًا حمراء امام كل جهد يستهدف الفساد، بل اتخذ ما يضمن عدم تقزم مؤسسات الدولة لأي كان مهما كان مقامه، او ان تنتفي لصالح حضورهم، او تجير لهم، ولم يقرب او يرفع أحدًا على حساب الوطن، ولم يجعل محاربة الفساد مجرد شعارات، او جعجعة لا تقنع أحدًا، ولا تعطي حلاً، ولا تضع أحدًا تحت سيف المساءلة والحساب..!!
الخلاصة، إننا أمام درس من هناك، من تنزانيا التي أصبحت تمضي الى بر الأمان، وبناء تنزانيا جديدة في المدى والعمق، يا ترى هل يمكن ان تكون هذه التجربة درساً او عبرة لمن يعتبر، بالنسبة لنا أتمنى ان نصدق اننا نستطيع يومًا ان نبدأ السير نحو مثل هذه التجربة ولو بالقدر الضئيل منها، اذا كان ثمة أمل فلنبدأ بالتعاطي الجاد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى مع تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية لعلنا نبدأ المشوار، نكرر السؤال الذي لا نملك الإجابة عليه: هل هناك أمل..؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا