النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

العبث بالدين والتلاعب بالفتوى

رابط مختصر
العدد 10285 الثلاثاء 6 يونيو 2017 الموافق 11 رمضان 1438

خلال رحلتي في قراءة كتاب «العودة الى الصفر: إيران، تركيا ومستقبل أمريكا» للمؤلف الامريكي ستيفن كينزر، إستوقفتني، دون دهشة ولا استعجاب، فقرة تستذكر من تبعات انهيار الامبراطورية العثمانية ووقوعها تحت مخالب الاستعمار البريطاني، كيف أن البريطانيين، في صراعهم الميئوس ضد الزعيم التركي مصطفى كمال اتاتورك، «عملوا على أن يصدر كبير رجال الدين العثمانيين، شيخ الإسلام، فتوى تدين الزعماء الوطنيين بأنهم كفار وتشجع المؤمنين الحقيقيين على قتلهم»... نعم، بريطانيا الاستعمارية ذات المكانة الدولية العظمى والديمقراطية العريقة الكبرى وفي لحظة يأسها من صد الضباط الأتراك الأحرار ضد أطماعها في التوسع ونهب مقدرات تركيا لا تردعها، لا القيم الأخلاقية ولا المبادئ الانسانية، من أن تعبث بالدين وتسخر وتسخر من رجال الدين وتتلاعب بالفتوى والاجتهاد والقضاء.
ما الذي جعل بريطانيا الديمقراطية العظمى أن تكشر عن أنياب الشياطين فيها؟ حتمًا إذا عرف السبب بطل العجب... فبعدما إنهارت الامبراطورية العثمانية، وأجبرت على الانكفاء إلى حدود أدنى من حدودها، في لحظة احتضارها بعد مرض الفساد المزمن، أصبح مصيرها بيد أعدائها، وبريطانيا العظمى كانت سيدة الأعداء، فوضعوا تركيا على مشرحة اتفاقية سيفر التي تقطع تركيا إلى ثمان قطع تتوزع بين ارمينيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا واقليم تركي محتمل واليونان ومنطقة منزوعة السلاح تحت وصاية دولية، ولم يتبقَ لتركيا سوى جزء لا يعدو ربع مساحة تركيا اليوم تطل على البحر الأسود ولكنها محرومة من المياه الدولية في البحر المتوسط... تصدى أبو الأتراك الزعيم الكبير مصطفى كمال أتاتورك لهذه المؤامرة الدنيئة، وشكل جيشًا من الضباط والمحاربين الغيورين على الذود عن كرامة تركيا وعن حقوقها الطبيعية على كامل أرضها، كانت بريطانيا العظمى والكبرى مطمئنة وبغطرسة المنتصر أنها سوف تسحق جيش التحرير التركي بضربة خاطفة أبرق من البرق، ولكن عبقرية كمال أتاتورك العسكرية وتفانى الضباط والمحاربون الأتراك الشجعان أفشلوا محاولات بريطانيا وحلفائها المتربصين بتركيا، فكانت المعركة الفاصلة في غاليبولي على بحر البسفور والهزيمة الساحقة ضد الجيش البريطاني وتحطم بوارجها الحربية مع خسائر بشرية كبيرة، من ألوف القتلى وأضعافهم من الجرحى، أحرجت وينستون تشرشل وأفقدته صوابه وفقد منصبه، منصب أمير البحرية البريطانية، وانكفأت عنصرية بريطانيا وغطرستها الاستعمارية إلى داخل ذاتها فخلعت رداء الأخلاق عنها وألقت بقبعة الإنسانية تحت أقدامها، وتجرأت جرأة الشياطين للعبث بالدين والاستهزاء برجال الدين والتلاعب بالفتوى والاجتهاد والقضاء، من أجل نهب الموارد وقهر أصحاب تلك الموارد، فاللص الدولي يبيح لنفسه ما هو محرم على جموع البشر، فهو محصن ضد قيم الأخلاق وضد مبادئ الإنسانية... وهو معصوم عصمة الشر من الخير...
إن التلاعب والعبث وتسخير معتقدات الشعوب المقدسة وثقافاتهم العريقة هي من قيم الدول الاستعمارية الكبرى التي كانت ومازالت تنهب مقدرات الشعوب مستخدمة كل الأدوات وعلى رأسها أدوات الدين ومنابر الدين وضعاف النفوس من رجالات الدين في أقبية المعابد والغرف المغلقة للاستلام والتسليم، استلام الأوامر من السيد المستعمر وتسليم فتاوى التكفير ضد حماة الشعوب، وبعد بث الفتاوى وشرعنتها وتفعيل المؤامرات من ثناياها يتم إستلام الأثمان، وهكذا تكون ديمومة المستعمر في المستعمرات...
إن هذا الامر الآمر الملزم البريطاني لشيخ الاسلام في تركيا العثمانية المتهاوية لاصدار فتوى تحرض على تكفير المناضلين الأتراك وقتلهم، ينقلنا من تبعات الحرب العالمية الأولى إلى يومنا هذا حيث نعيش عصر تفجر فتاوى التكفير والقتل والنحر، فتاوى تتوالى كالنار في الهشيم، وكأني بذاك الآمر البريطاني مازال يبث سمومه في الافتاء والقضاء الى يومنا هذا، وقد سارت دول كبرى أخرى على ذاك المنوال من استثمار الفتوى لتحقيق مصالح الدول الكبرى، وما كان لهذه النار من الفتاوى أن تحرقنا لولا الحواضن التي تتمصلح منها وتستحسنها في عقر دورنا، فالعيب والجرم منا وفينا وعلينا... فشيعتنا وسنتنا وعلى الهامش خوارجنا تتصادم إعلاميًا على هوى فتاوى الرفض والتكفير واستباحة القتل، وقد تطور الأمر من مجرد التحريض الى تشكيل جيوش مذهبية تخوض حروبا مذهبية، تحرق الأخضر واليابس، وتهجر الناس من أوطانها بالملايين، وتبيد الناس كما تباد الحشرات، وتفكك دولاً، وتستنهض أقليات مهضومة الحقوق للانتقام وتقاسم الكعكة... فوضى يندى جبين التاريخ منها... لا ناقة لشعوبنا فيها ولا جمل... والحبل على الغارب... وشعوبنا تإن وتستغيث وليس من معين ولا مغيث... والجيوش المذهبية والمتمذهبة لاهية في حروبها العبثية إطاعة لسادة الفتاوى...
ومازالت الحكمة ممدودة على سرير في غرفة الإنعاش..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا