النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

صاحب العقل مياس

رابط مختصر
العدد 10279 الأربعاء 31 مايو 2017 الموافق 5 رمضان 1438

لازلنا نتعلم ممن هم أكبر منا وأصغر منا، طبعا في العمر، والخبرة والتجربة، فقد كنت في حديث عابر مع أحد سواق التاكسي «الأجرة» في أحد شوارع القاهرة شاب في مقتبل العمر، وأحسب أن خبرته في الحياة لا تتعدى السنوات القليلة غير أنه بالقطع قد تجاوز سن التمييز أو هو في أحسن الأحوال قد قارب على بلوغها.

أخذ يروي قصته مع أسرته الصغيرة المكونة من أخ يكبره وأخت تصغره، ووجد نفسه بعد أداء الخدمة في الجيش اللازمة لشباب مصر خاصة إذا كان هو ليس الابن الوحيد، فالإعفاء يكون للإبن الوحيد للأسرة، قال: بعد أن تخرجت من دبلوم التجارة، وجدت نفسي مع شقيقي بأن علينا واجب أن نقوم بخدمة والدي ووالدتي اللذين تعبا في تربيتنا ووفرا لنا التعليم الضروري وأن نبدأ مشوار الحياة في طلب الرزق الحلال لأن الحياة في نظر هذا الشاب اليافع أخذ وعطاء وإن الواجب أن نستلم الراية ممن هم قبلنا لنسير في الطريق الذي يؤدي بنا إلى العيش الكريم وبعزة النفس التي تحمينا من شدة العوز والحاجة.

وقال هذا الشاب: «لقد أدركت بأن من واجبي أن أواصل الطريق الذي اختطه الوالد في السهر على راحة الأسرة وضمان العيش الكريم لهم»، وأضاف من قول حكيم يردده المصريون «صاحب العقل مياس» أي أن الفطين والعاقل يميز بين الأشياء ويقدر المواقف، ويميز ما بين الغث والسمين والمعقول واللامعقول، ويراعي الأصول ويقدر المواقف، ويزن الأمور بميزان الحكمة ويرى ما فيه الصالح ويتجنب كل ما فيه الطالح.

أعاد هذا الشاب لي مواقف الجيل الذي قبلنا، والأجيال التي عاصرتنا، وكيف كان الحال في توارث المهن، فقد إعتاد الآباء خصوصا أصحاب الحرف اليدوية والمهنية أن يعودوا أبناءهم في فترة ما بعد المدرسة أو في العطل الصيفية على أن يعملوا في نفس المهنة التي احترفها آباءهم، أو أن يمسكوا شؤون محلاتهم إن كانوا يملكون دكانا على قد الحال، ثقة منهم وإيمانا بأن المهنة لا تنتهي بإنتهاء صاحبها وإنما يجب أن يتحمل الأبناء طريق البناء والتعمير بعدهم ويكون هناك التواصل المطلوب.

لقد عشنا زمنا يروي لنا الأجداد كيف كانوا في زمن الغوص على اللؤلؤ يعدون أبناءهم للبحر ومهنة الغوص ليبدأ الصغير «رضيف» ثم «تباب» إلى أن يصبح «سيبا» إذا تقدم بعد العمر قليلا ونضجت تجربته ومهمته مساعدة الغواص على إخراجه من أعماق البحر بعد أن يكون قد التقط «محار اللؤلؤ» وهي لعمري مهمة ليست سهلة تتعلق بأرواح الناس، وتحتاج إلى يقظة وإنتباه، وقد يظل هذا الفتى «سيبا» طوال حياته أو قد ينال حظوة أن يكون «غيصا» يملك كل مقومات الغواص الضرورية، ويملك شجاعة إقتحام أهوال البحر وأعماقه، وهو بذلك ينال مكانة ومنزلة رفيعة، وهذا لا يعني أن في ذلك الزمن أن الرجال يظلون عاطلين بعد انتهاء موسم الغوص على اللؤلؤ، وإنما مارسوا الكثير من المهن والحرف يتعلق بعضها بصيد السمك والإحتراف في صنع أدوات الصيد، والعمل في الزراعة، أو الاعتناء بالنخيل، إذ يومها لا يكاد يخلو بيت من أشجار النخيل المثمرة والتي تحتاج إلى عناية فائقة في فترات ومراحل تكوين «بلح التمر»، ولما كان المجتمع يتسم بالتكافل فقد امتهنوا حرفة البناء، بناء دور المنازل بالطين أو الجص، أو في تشييد «الكبارة» و«البرستية» و«العرشان» التي يعتمد في تشييدها على ما تجود به النخلة من «سعف النخيل» و«الليف» و«الكرب»، و«الجذوع» وهي أماكن إيواء لازمة لمعيشة الناس في ذلك الزمن.

لا يمكننا أن نعود أعزائي إلى ذلك الزمن الذي أصبح يتحمل فيه الأبناء الأعباء الجسام وهم في ريعان الصبا والشباب، فذلك زمن انتهى ومضى فيه من حلو ومر، وبما فيه من خبرة وتجربة، وصقل ومهارة، وبتنا في زمن العلم والمعرفة والتحصيل والمثابرة والتحدي الحضاري وما يستلزمه ويستتبعه من صون الأوطان، ومجابهة الأعاصير، وتحقيق الأمن والاستقرار، والتعاون على مستوى أبناء الوطن الواحد إلى الأقليم ثم المستوى العربي والدولي.

ترى، واسمح لنفسي للتشاور معكم أعزائي القراء، هل نستطيع أن نهيئ أبناءنا وأحفادنا لمستقبل الأيام؟! وهل نملك كل الأسباب والمعطيات التي من أجلها نعلق على المستقبل فنعد للأمر عدته، ولعلنا لا نخترع نحن ذلك، فأمم نعرفها غربًا وشرقًا هيأت نفسها وأبناءها للمستقبل، طبعا ليست بالأساليب التي ربما نطلق عليها تقليدية وإنما بإسلوب العصر الحديث والمعاصر وما بعد الحداثة، لأن المطلوب منا في إعمار الكون ليس ضمان السير على رتابة تقادم الأيام والسنين، وإنما النظرة إلى المستقبل وما فيه من فرص وتحديات، وحرص على الإبقاء على الأوطان في تقدم ورقي، وأخذ وإضافة وحرص على الأمن والأمان، ومواجهة كل المخاطر المحدقة وذلك بالتخطيط والبناء وتوقع دائما للأسوأ، فالأمم التي تحسب لكل أمر حسابه هي الأمم التي تبني نفسها وتحافظ على كينونتها وتشيع الأمن والأمان بين مواطنيها، وتنظر دائما إلى الأفق البعيد إنها ثقافة مجتمعية، وأسلوب وسلوك حضاري يتكون لدى الأمم التي هي مشبعة حضاريًا وتاريخيا ممتدا ومتواصلا.. نحتاج إلى تفكير نعم ونحتاج إلى إرادات نعم، ونحتاج إلى اتخاذ قرارات جريئة، وتخطيط سليم نعم وكلها أمور أدركناها، وأدركها من كانوا قبلنا، وما نحتاجه هو المواصلة الأكثر والسعي الحثيث نحو بلوغ الأهداف فصاحب العقل مياس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا