النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10840 الخميس 13 ديسمبر 2018 الموافق 6 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

الــتــســامـــح قـــــوة!!

رابط مختصر
العدد 10279 الأربعاء 31 مايو 2017 الموافق 5 رمضان 1438

 صعب أن تقيم حوارًا مثمرًا مع كائن من كان وهو يبدأ حديثه في تعالٍ مستخدمًا مفرداته القطعية التي لا تقبل النقض، متوهمًا أنه المرجع الوحيد وأن ما عداه ينوخ في جهله ووجب عليه أن يقتفي أثره وينهل من أسرار معرفته التي ليس لها في خياله المريض قرار، ويقتات من فتات سعة اطلاعه الكفيل بحل مشكلات العالم كلها. ومن هذه المفردات الباعثة على القلق لكثرة ما بات يستخدمها الجاهل أكثر مما يستخدمها العالم أو الخبير في مجاله، توظيفًا للخوض في السجال حول أي موضوع، «الحقيقة هي...»، «من الثابت أن...»، «مما لا شك فيه...»، «من المؤكد أن...»، «لا ريب في...» أو غيرها من المفردات القطعية المنقوعة في ذات نرجسية مفعمة يقينًا ومنغلقة على فكرتها التي نمت في بيئة محاطة بظروف موضوعية وذاتية تشكلت فيها الرؤية العامة لهذا الفرد أو ذاك في المجتمع.

 ولعل من بدهيات الاجتماع البشري في قوانينه العامة أن لا وجود لمجتمع متجانس بشكل مطلق حتى تغدو الآراء والرؤى متناسخة إلا في أحلام الفلاسفة، وإن وجد مثل هذا المجتمع، فإن ذلك مؤشر اعتلال وليس من سمات العافية. وعلى هذا فإن أي مجتمع إنما يكون قائمًا على التنوع والتعددية والتغاير، وضمن إطار هذا التعدد والتنوع والتغاير تتشكل الرؤى والأفكار وتنبني القناعات الفردية والجمعية، وتنتظم التيارات الاجتماعية متناقضة المصالح والأهواء في مسرد التعددية التي يتكون منها المجتمع، وهنا تظهر الاختلافات المطلوبة وتعدد زوايا النظر، وبالتالي يكون من غير المقبول استخدام المفردات القطعية التي أُشيرَ إليها في مستهل المقال؛ لأن جوهر هذا السلوك اللفظي إقصاء للآخر المختلف، وإعلاء من شأن الرأي الفرد، واختراق صارخ لقوانين الاجتماع.

 في ظل هذه التيارات الاجتماعية متناقضة المصالح والأهواء، يبحث المجتمع عن وحدته التي ينبغي أن يزيدها التنوع ثراءً لتتحد، وليس لتنقسم وتتشتت، ومن هذه الوحدة يستمد هذا المجتمع أو ذاك ديمومة تطوره، وانعتاقه من أسر الواحدية الفكرية التي يحاول البعض من كل فكر أو أيديولوجيا أو دين إيجادها عبثًا. وحري بالمجتمعات التي تتحلى بالتنوع الإثني والعرقي والمذهبي أن تتباهى وتتفاخر، ومجتمعنا البحريني هو أحد هذه النماذج من المجتمعات التي ينبغي عليها أن تستثمر هذا الخليط المذهبي والعرقي بإيجابية للنهوض بالوطن الواحد الجامع للكل، وترفد برامجها الاجتماعية والثقافية والفكرية من معين هذا التنوع؛ لأننا بذلك نراكم على ما غرسه الآباء والأجداد من قيم التسامح والاحترام، لنصل معًا إلى ذروة مبتغاهم في تأسيس مجتمع السلم والمواطنة والرفاه. لقد أتاح لنا المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد بن عيسى حفظه الله في عمر سنواته التي تزيد على العقد بثلاث سنوات مساحات كافية من الحرية والديمقراطية، ولكن السؤال الأهم هو ما الذي أفدنا منه؟ فحرية التعبير، على سبيل المثال، متاحة وبثوب فضفاض، ولكن بدل أن نترجمها عملاً في نشر التحابب واحترام الرأي الآخر والتسامح بين مختلف فئات الشعب وطوائفه، توارينا انكفاءً داخل ذواتنا لنعبر عن رأينا بالعنيف من الكلام، ونحارب من يعبر عن وجهة نظره المغايرة للآخر، فبتنا لا ندخر كلامًا في الخيانة والكفر إلا وألصقناه به.

 كما أن الديمقراطية التي ضحى الشعب، كل الشعب، من أجلها باتت محركة لكل المفاصل في كل المؤسسات، ولكن ما الذي حصدناه منها غير الطائفية التي أضحت ضاربة بأطنابها في مجتمع لم يألفها في تاريخه الوطني بعد أن أسس لها الإسلام السياسي، بمذهبيه، في تجمعاته، وليأتي بها فيما بعد تحت قبة البرلمان، وبات التوجس والحذر من الآخر عناوين لمظاهر الحياة الاجتماعية، فمتى كان ذلك مقبولاً لدينا؟! الرأي عندي أن ما ينبغي علينا فعله في مجتمعنا البحريني المتحاب احترام الحق في التنوع، أو إن شئنا الدقة تجاوز الأفكار المدخلة عنوة على مجتمعنا الذي كان متحابًا، التي تبوأ مهمة تشغيلها في المجتمع سدنة المذاهب الطائفيون والمشتغلون بالسياسة من الطيف ذاته، الذين لا يتورعون عن إلغاء الآخر في جحيم معاناته التي لا مسؤولية له عنها، إنما وجد نفسه ذات لحظة طلق حتمية لا راد لها وهو ينبعث من رحم أمه ويطلق صرخته الأولى ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك، أو إلى هذه الطائفة لا تلك، وتحاول أن تنال من هذه القيمة الاجتماعية التي وجدناها إرثًا عظيمًا خلفه لنا الآباء تحت وابل من الهجوم الطائفي النابذ للآخر والمستهين بالوطن لصالح الفكرة، في حين ينبغي أن تطوع الفكرة لتخدم الوطن.

 إن ما ينبغي علينا فعله للمحافظة على سلمنا الاجتماعي الضامن الأساسي للتنمية هو احترام هذا التنوع باحترام الرؤى المتشكلة في بيئتها، ذلك أن الرؤى، من حيث هي وعاء لمجموعة الأفكار المتجمعة المتبناة لمجموعة من الناس عبر اجتياز خبرات وتجارب حياتية، يرتبط تشكلها وتبلورها بظروف ومتغيرات زمانية ومكانية ونفسية. فالرؤى، بهذا المعنى، تتصف بأنها متحولة وغير ثابتة، وإذ إن الزمن في حالة تدفق غير منقطع عن المكان بصفته حيزًا تتفاعل فيه العناصر المكونة للمجتمع، فالغرابة لتبدو في ثبات رؤى الناس وليس في تحولها انسجامًا مع المتغيرات التي تجري في المجتمع. إن وتيرة التنمية تتسارع على الصعد كلها في المجتمعات التي تنأى بنفسها عن التحرشات الطائفية والمذهبية، إلا مجتمعاتنا العربية الخانعة لمسلماتها الاجتماعية وقيمها التي تحقر الرأي الآخر وتراه منحرفًا! فهي تأبى أن تتحرك في الاتجاه ذاته، وتصر على إخضاع أقلياتها تحت رحمة متبنيات أفكارها، لماذا؟ لأن لها، في اعتقادي، أولويات، يتصدر الخلاص من الآخر الوطني ونحر فكرته المختلفة، تلك الأولويات في أجندتها المجتمعية هذه، التي ما أن تنجز حتى تقفز أولويات أخرى، فإذا ما أُنجِزت هذه الأولويات كلها يأتي الدور على المختلف من النسيج المذهبي ذاته أو العرقي نفسه الذي لا تنطبق رؤاه وأفكاره مع السائد من الأفكار.

 خلاصة قولي هنا، هو إن المعبر عن مكنونات الأفكار، التي نطلق عليها رؤية الفرد إلى المجتمع والكون هو الرأي، فإذا ما استسفهنا هذا الرأي فما الذي يتبقى لنحترم؟ وينبغي القول إنه إذا ما تأسست قناعة احترام الرؤى المختلفة في المجتمع، فإن ذلك يقود حتمًا إلى إعطاء صاحب الرؤية حقه في إبداء رأيه انطلاقًا من رؤيته، لا مما يفرض عليه، وهذا لن يكون متحققًا إلا في حاضنة التسامح، الذي به سوف نتقدم ونحقق التنمية في مجالات الحياة كافة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا