x
x
  
العدد 10418 الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 الموافق 27 محرم 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10268 السبت 20 مايو 2017 الموافق 24 شعبان 1438
 
 

كلنا سنموت يومًا ما، هذا المصير الطبيعي الذي يدركنا ولو كنا في بروج مشيدة، لكن قلة منا يخلدون في وجدان الناس من حولهم بعد موتهم، ويستمر أثرهم الطيب لفترات طويلة جدا، وينهل الناس من عطاءاتهم حتى بعد مماتهم.
الموت، هو واحد من المواقف الكبرى التي يستذكر الناس فيها سيرة المتوفى، وهل عاش في هذه الدنيا كتحصيل حاصل، أكل وشرب وتزاوج ثم مات واندثر، أم أنه تمكن من تخليد ذكره عبر صياغة حكايته الخاصة ورسم مسيرة نجاح تستلهما الأجيال من بعده؟
عندما نتحدث عن آينشتاين، ومحمد علي كلاي، وغاندي، وستيفن جوبز، وجبران خليل جبران، وابن خلدون، وابن ماجة، وغيرهم من العظماء، لا نلقَ بالاً إلى أنهم الآن أمواتًا بالفعل، ولا نكترث نهائيًا إلى المناطق التي دفنت فيها جثامينهم، وإنما نشعر بالامتنان لما قدموه لنا من عطاء، ونشعر بأننا أمام أشخاص خلد التاريخ ذكرهم، يعيشون بيننا بأفكارهم وانجازاتهم وعطاءاتهم التي تنعم بها الأجيال المتعاقبة.
ربما لا نستطيع الوصول لمرتبة اولئك العظماء، لكن قصة العظمة يمكن البدء بكتابتها مع النفس أولاً، عندما نتمكن من استثمار كل طاقتنا في أن نكون شيئًا مفيدًا لذاتنا في المقام الأول، نجتهد ونعمل ونصادق بإخلاص، ثم نسعى للتأثير إيجابًا على المحيطين بنا، أفراد عائلتنا وزملائنا في العمل والمجتمع، ونحرص على توسعة هذا التأثر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
إن الإجابة على أسئلة من قبيل: من سيخرج في تشييع جثماننا؟ وكيف سيذكرنا الناس والتاريخ؟ تحفزنا على استثمار كل دقيقة من وقتنا في العمل الصالح، والعطاء، والسعي الحثيث من أجل تركنا لهذه الدنيا على حال أفضل مما كانت عليه عند قدومنا إليها.
أنا، وأنتم، لا زلنا ننعم بنعمة الحياة، ولا زلنا قادرين على الانجاز والعطاء، ولا زال اليوم والغد صفحات بيضاء في كراسة حياتنا، فلنحرص على ملئها بما هو مفيد لنا وللبشرية من بعدنا.
أكتب اليوم ولا زال ماثلاً في ذهني، بل ومتغلغلاً في أعماقي، ذلك المشهد المهيب لتشييع صديقي الراحل مارون سمعان في بيروت، والذي وافته المنية في بوسطن مطلع الشهر الجاري، بعد عمر لم يكن طويلاً بعدد السنوات لكنه كان مسيرة عطاء مستمر.
يرقد جثمان الفقيد مارون سمعان الآن بسلام بعد أن جاب الدنيا ساعيًا لبناء غده الأفضل من دون أن ينسى وطنه وأهله، ولقد واكب حشد كبير تشييع جثمان الفقيد من بيروت حتى مسقط رأسه في دردغيا، رشوا على نعشه الورد والارز والزهور، واجتمع في وداعه مسلمون ومسحيون شهدوا جمعيًا بطيب خصائله، وذكروه على أنه واحد من أبناء لبنان البررة الذين حققوا في المهجر قصص نجاح كثيرة، في الثقافة والأعمال والعلم والتعليم وغيرها.
وكتبت الصحف عنواين رثاء بحق هذا الرجل المعطاء، كان من بين تلك العنواين «مارون سمعان: ميراث يستمر من جيل إلى جيل»، و«مارون سمعان (يعود) إلى دردغيا... قصة نجاح وتعفف»، و«مارون سمعان.. اسم ارتبط بالعمل والعلم والخير»، و«مارون سمعان: الخلوق الذي هوى في عز العطاء»، و«مارون سمعان رجل أعمال تبكيه الجامعات»، و«رحيل مارون سمعان أكبر مانح لـ (الجامعة الأمريكية) في تاريخها».
أشعر بالفخر لمشاركتي رؤية الراحل مارون سمعان بقدرة التعليم على تغيير شبابنا ومجتمعاتنا نحو الأفضل، ولقد سجلت الجامعة الأمريكية في بيروت اسم مارون سمعان كمانح أكبر تبرع حصلت عليه في تاريخها لتطوير كلية الهندسة، وصاحب أكبر منحة تقدمها جهة خاصة لجامعة في العالم العربي، كما بنى الراحل على نفقته منشآت كلية الهندسة الكيميائية في جامعة البلمند (شمال لبنان) عام 2015، وأسس برنامج منح طلابية كثيرة، ومول مشاريع اجتماعية في الجنوب وبقية المناطق اللبنانية، وقدمت «مؤسسة سمعان» التي أسسها الفقيد الراحل منحا دراسية للطلاب وزمالات الدكتوراه والبحوث المبتكرة.
عطاء الراحل سمعان شمل مناحي كثيرة، فقد مول إعادة ترميم المنازل الحجرية المتلاصقة والأزقة الضيقة في ضيعته دردغيا التي تتميز بفرادتها الهندسية البيزنطية التي تعود إلى نحو 2700 سنة، مشجعا على عودة أهلها إليها وبقائهم فيها،، كما مول بعشرة ملايين دولار بناء «مركز طانيوس وثريا سمعان» (والدي الراحل) لجراحات اليوم الواحد.
الراحل سمعان انسان عصامي بنى نفسه بنفسه، فبعد أن تخرج من كلية الهندسة الميكانيكية في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1977 انتقل بعدها للعمل في دول الخليج العربي - ومن بينها البحرين - ليبدأ مسيرة حفلت بالنجاح والكفاء شغل خلالها العديد من المناصب القيادية في مجالات النفط والغاز والبنى التحتية والأشغال.
لقد قال رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت فضلو خوري في بيان النعي إن الراحل سمعان «ميراث يستمر من جيل إلى جيل (...) سخاؤه الخيري الملهم غير حياة أعداد لا تحصى من البشر (...) وعمله وأثره سيتردد صداهما عبر العصور».
والله إنه بالفعل: موت بطعم الحياة.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟