النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

حربنـــا مــع الرمـــال

رابط مختصر
العدد 10261 السبت 13 مايو 2017 الموافق 17 شعبان 1438

نحن مشغولون جدا في مناطق كثيرة من العالم العربي في قتل بعضنا البعض، حتى أننا بتنا بالكاد ندرك خطر تهديدات كبيرة أخرى تواجه منطقتنا.
الحرب قادرة على قتل مئات الآلاف من الناس، ومع ذلك فإن التحديات التي أفكر بها يمكن أن تجعل هذه المنطقة مستحيلة لعيش أي إنسان.
لقد أظهرت دراسة أعدها معهد الموارد العالمية ( WRI) أن البحرين أكثر بلد على الكرة الأرضية مهدد بانقراض مخزونه من الماء العذب، بعد أن بدأ منسوب المياه العذبة بالانخفاض بوتيرة متسارعة منذ فترة ليست بالقصيرة، وبدأت نسبة الملوحة تطغى على المياه الجوفية بسبب انخفاض مستوياتها، والمفارقة أن معدل استهلاك الفرد البحريني من المياه يفوق نظيره الأوربي بثلاثة أضعاف!.
بحسب الدراسة ذاتها جاءت الكويت كثاني دولة في العالم مهددة بنضوب الماء العذب فيها مع حلول عام 2040، فيما أوقفت المملكة العربية السعودية زراعة القمح فيها بعد أن استنزفت هذه الزراعة أكثر من أربعة أخماس احتياطياتها من المياه الجوفية، كما تتناقص المياه الجوفية في جمیع أنحاء المنطقة تقريبا، وقد لا يبدو هذا الخبر ذا أهمية كبيرة بالنسبة للمواطن وللاقتصاد السعودي أو الإماراتي، ولن يتأثر أحد بارتفاع طفيف قد يطرأ على أسعار المنتجات الزراعية المستوردة.
ولكن ضع نفسك مكان أحد المزارعين اليمنيين الذين جُرِفت آبارهم وغارت مياههم!. إن الأمر بالنسبة لكثير من اليمنيين هو مسألة حياة أو موت، وتھدید المجاعة أو الجفاف أکثر إلحاحا ورعبا من مخاطر القاعدة أو المیلیشیات الحوثیة.
بات من الطبيعي رؤية التصحر يزحف بقوة على ما تبقى من أراض زراعية أو شبه صحراوية في هذه المنطقة القاحلة التي نعيش فيها، مع وجود مساحات خضراء صغيرة جدا حافظت النباتات فيها على حياتها من خلال الجهد المستمر والري الثقيل وتوفير عوامل مقاومة أشعة الشمس التي لا ترحم.
ولكن ماذا بشأن مخزوننا الهائل من النفط، والذي بالطبع لن يستمر للأبد؟
النفط هو السبب في تكوين اعتقاد خطير لدينا وعلى جميع المستويات مفاده أن جميع المشاكل في الخليج العربي يمكن حلها عن طريق رمي المال عليها، ويمكن أن نرى بعض الواحات المزدهرة والمصانع الخضراء داخل الصحراء، ولكن يجب أن نعلم أن الحكومات تقدم دعما لهذه الأنشطة بشكل كبير لدرجة أننا لا ندرك أن التكاليف الحقيقية لإنتاج الحليب على هذه الأرض قد تكون عشرة أضعاف تكلفة استيراده.
نحن نعيش ونعمل في المباني الزجاجية التي تستهلك آلاف الكيلوواط من الطاقة لتكييف الهواء، حتى أننا لا نعرف ولا نهتم كما يجب بتشييد مبان صديقة للبيئة تقاوم حرارة الشمس وتوفر استهلاك الطاقة، ومع ذلك، أدى ترشيد الدعم الحكومي للطاقة في البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى إلى مضاعفة تكاليف الكهرباء أكثر من مرة في غضون عامين.
لقد استنفدت دبي والبحرين ومواقع أخرى معظم احتياطياتها النفطية في غضون بضعة عقود، والدراسات المتوفرة تشير إلى أن آخر قطرة نفط ستخرج في العالم ستكون من حقل الغوار في المملكة العربية السعودية بحدود العام 2050، لكن الاستهلاك المفرط يعجل من قدوم هذا اليوم، خاصة إذا عرفنا أن دولة مثل السعودية تنتج ما معدله عشرة ملايين برميل نفط يوميا تستهلك أكثر من نصفها داخليا على الطرقات، وفي ذات الوقت نرى أن الأدخنة والوسائل المنبعثة عن استخراج النفط أو استهلاكه تلوث الهواء واليابسة والماء وتجعل المناخ أكثر تطرفا وأقل مواتاة للزراعة.
قد يواجه أحفادي - أو ربما أحفادي العظماء- في نهاية المطاف سيناريو لا ينفد فيه الماء فحسب، بل تتبخر عائدات النفط أيضا، وكل ما يتبقى لهم هو أشعة شمس لا ترحم ورمال صحراوية عقيمة.
في كثير من الأحيان، عندما يتحول الحديث إلى مثل هذه القضايا المثيرة للقلق نجد أن شخصا يصيح بالقول: لماذا لا تبادر حكوماتنا المتراخية لاتخاذا ما يلزم من احتياطات لتجنب هذا المستقبل القاتم؟!.
والواقع أن حكومات المنطقة تنفق بهدوء مبالغ هائلة للاستثمار في الطاقة المتجددة، وحتى الإلغاء التدريجي للدعم يندرج جزئيا في إطار تقليل الهدر، ومع ذلك، فإن الحل الجذري المطلوب هو إحداث تغيير ثقافي واجتماعي، بحيث ندير الموارد الطبيعية المتبقية تحت ترابنا باهتمام واحترام؛ مع استخدام مهاراتنا الريادية لجعل اقتصاداتنا أكثر ديناميكية وكفاءة بعيدا عن الخضوع الكامل لأسعار النفط.
نحن مهووسون بالتهديدات الأمنية والمنافسات الإقليمية غير ذات القيمة، ولكن في نهاية المطاف يمكن أن نكون متأكدين أن داعش لن يتمكن من تدميرنا، كما لم ولن تتمكن إيران وحتى إسرائيل، ولكننا نقوم بعمل ممتاز في تدمير أنفسنا.
إن مدن حلب وبنغازي والموصل قد تحولت إلى أكوام من الركام، ولكن سيتم إعادة بنائها غدا أو بعد خمسين سنة، ولكن مناطق شاسعة من اليمن استنزفت حتى آخر قطرة ماء، والنباتات تحولت إلى غبار، والهواء الحارق يمتص كل قطرة من الرطوبة من كل كائن حي. نحن لا يمكننا ببساطة إعادة بناء البيئة عندما تنهار وتندثر.
نحن ننسى أن المدن والأراضي الزراعية وملاعب كرة القدم والبنية التحتية في جميع أنحاء منطقتنا اليوم مبنية في الغالب على الأرض التي كانت ذات مرة رمال صحراوية متحركة، إن مدن دبي والرياض والدوحة وغيرها هي إنجازات خارقة حقا باتت شامخة من لا شيء في غضون بضعة عقود.
ولكن إذا فشلنا في تقدير الثروات الطبيعية التي عززت هذه الأعاجيب، واستمرينا في استنزاف بيئتنا ومواردنا الطبيعية بقسوة، نكون قد سمحنا للرمال المتحركة التي طوّعناها أن تعود مجددا وتطمس معالم حضارتنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا