النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

الربيع الفرنسي ربيع سلمي

رابط مختصر
العدد 10257 الثلاثاء 9 مايو 2017 الموافق 13 شعبان 1438

الغرب بقيادة أوروبا، أوروبا القديمة، تشهد تغيراً في مجرى تدفق مياه السياسة؛ فبعد الحرب العالمية الثانية ودحر سيدة التطرّف السياسي المتمثل في أقصى التطرّف اليميني النازي عاشت أوروبا حقبة من الزمن الى حاضر يومنا و هي في وادٍ مناهض شبه معادٍ لليمين المتطرف. ولكن النُخَبُ السياسية التي تسلمت زمام الحكم في أوروبا لم تستطع أن تحقق للشعوب الأوروبية طموحاتها، لا على المستوى الداخلي ولا الخارجي؛ وفرنسا هي بوصلة تحرك الرياح السياسية في أوروبا. فمنذ الثورة الفرنسية في عام 1789 والبناء السياسي يتأرجح بين أنماط من الملكية والجمهورية وحتى الإمبراطورية، فتسمت أنماط البناء السياسي بالملكية الفرنسية وبعدها الجمهورية الأولى مروراً بحكومة القناصل والامبراطورية الأولى إلى الامبراطورية الثانية والجمهورية الثانية، وآخر تلك الأنماط هو الجمهورية الخامسة التي مازالت حية الى يومنا هذا؛ وهذه الجمهورية الخامسة تشكلت مع الدستور الفرنسي في 5 أكتوبر 1958 ورجوع شارل ديجول الى الحكم في فرنسا بعد الإنقلاب الذي أطاح بالجمهورية الرابعة. في ظل هذه الجمهورية الخامسة كان الحكم شبه تبادل بين اليمين التقليدي واليسار الوسط (التقليدي) المتمثل في الحزب الاشتراكي، فتشكل مع هذا الاختزال السياسي نخبة سياسية مسيطرة على الواقع السياسي الفرنسي، رغم وجود أحزاب سياسية من ألوان أخرى من أقصى اليسار الى أقصى اليمين؛ منذ دستور 1958 وعودة شارل ديجول الى اليوم و فرنسا في حال من يراوح في مكانه، فاليمين التقليدي مطمئن على موقعه  دوره في الحكم، والحزب الاشتراكي تعود أن يطرح برامج يسارية في فترة الحملات الانتخابية بينما كان أكثر يمينية من اليمين التقليدي في السياسة الداخلية والخارجية، حتى أن الاشتراكيين كانوا أكثر ميالين الى الحلول العسكرية للقضايا الدولية من اليمين، فأضحى الحزب الاشتراكي أكثر يمينية من الأحزاب اليمينية.
 الفصل ربيع والإنتخابات الرئاسية في فرنسا تموضعت في الربيع، والشعب الفرنسي، بعد سنين من الشلل السياسي والاقتصادي، يفتح على وطنه ربيعه الخاص، ربيع سلمي قاعدته الديمقراطية، وبنيته الاجتماعية حضارة وتحضر.
الشعب الفرنسي مَلَّ من هذا الواقع شبه المشلول فرآى أنه من حقه ومن مقتضيات واجبه الوطني أن يبحث عن قيادات جديدة متحفزة قادرة على علاج الشلل السياسي، وسبيله لعلاج هذا الشلل هو أدواته الديمقراطية، فقرر أن يقول كلمته في انتخابات الرئاسة في الجولة الأولى في 23 أبريل 2017، فأزاح ثلاثة من المترشحين للرئاسة المنتمين للنخب التقليدية، اثنان من اليسار وواحد من اليمين الوسط (الجمهوريون)، وأقل الأصوات كانت للحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي، وهذا يدل على تدني جماهيرية الحزب الحاكم؛ حزب يساري اشتراكي يحصل فقط على 7.7%‏ من الأصوات. وصعد إلى الجولة الثانية السيد إيمانويل ماكرون من حزب جديد يدعي الوسطية تحت قيادة وزير الاقتصاد السابق في العهد الحالي ومؤسس الحزب الجديد، حزب «!En marche» أي «إلى الأمام!» ، والسيدة مارين لو پين زعيمة حزب «الجبهة الوطنية»، و هو الحزب اليميني المتطرف في فرنسا...
حزب «إلى الأمام!» تأسس في عام 2016 بعد أن ترك مؤسسه السيد إيمانويل ماكرون وزارة الاقتصاد كوزير، وكان قبلها قد ترك الحزب الاشتراكي الذي كان عضواً فيه من 2006 الى 2009. فماكرون سياسي جديد متجدد، تخصصه الادارة والاقتصاد، وميوله السياسية متحركة من يسارية الحزب الاشتراكي إلى فترة من الاستقلالية إلى أن أسس حزب «إلى الأمام!» والذي يجمع فيه بين اليمين واليسار؛ ففي الخط اليميني هو في أقصى يساره، وفي الخط اليساري هو في أقصى يمينه، ومعروف عن هذا الخط الوسطي بمصطلح «centralisme»، وهذا المصطلح لا يوحي بدقة الوسطية ولكنه يوحي بمعنى النقطة المركزية للدائرة، فالدائرة كلها وبتغير مساحاتها لا يمكنها إلاّ أن تحوم حول مركزها، وهذا مفهوم جديد في السياسة يحاول أن يجمع بين اليمين واليسار ببعد مركزي وليس وسطي؛ ويتمتع السيد ماكرون بذكاء متقد، وشخصيته جذابة، وخطابه هادئ واضح، وشعاراته محسوبة بدقة، وقد حصل على 23،2%‏ من الأصوات.
أما السيدة مارين لو پين فقد حصلت على 22,3%‏ من الأصوات، فالفارق بين المتنافسين هامشي. السيدة مارين لو پين اسم لامع في عالم السياسة على المستوى الفرنسي والأوروبي؛ فهي زعيمة حزب يميني متطرف له خط واضح لا يحيد أبداً عن عنصرية اليمين ولا يساوم عليه؛ استطاعت بحنكتها السياسية وقوة شخصيتها وطموحها السياسي الواسع من أن تطيح بأبيها من زعامة الحزب، وبعد أبيها أجرت تعديلات مهمة على أيدولوجية الحزب، ومن أهمها أنها تقبل بفرنسية كل مواطن يحمل الجنسية الفرنسية بغض النظر عن موطنه الأصلي، وقبولها بالمحرقة النازية، الهولوكوست، ضد اليهود، وتخفيف خطابها المعادي للسامية، وهي بهذه الخطوات لا تتقرب من اليهود، ولكنها تتقرب من الشارع الفرنسي؛ وبالنسبة للمهاجرين فإنها تقبل عدداً سنوياً لا يزيد على العشرة آلاف مهاجر، وبهذا العدد تريد أن توازن في الوظائف بين الفرنسي والمهاجر. شخصيتها قوية لا شك، وخطابها واضح، ونبرة خطابها حاد جازم قوي، وهي بهذه النبرة تعبر عن صرامة اليمين المتطرف، وشعارها الأساس هو الشعب - الجمهورية - فرنسا، ومن أجل المحافظة على ثالوث الشعار فإنها تضيف مهمة أمام الحكومة التي ترغب في رئاستها وهي ضرورة التصدي للإسلام والمسلمين؛ فهي تعادي الاسلام في خطابها السياسي الانتخابي دون مواربة ولا دبلوماسية؛ أما شعاراتها الاقتصادية فهي تحاول أن تنافس منافسها ماكرون بفوارق هامشية معه؛ ونتائج الجولة الأولى تفيد بأن برنامجها السياسي وشعاراتها مقبولة أمام شريحة واسعة من الشعب الفرنسي...
نتيجة الجولة الأولى تنم عن تحول نوعي في المزاج السياسي للشعب الفرنسي، فقد أطاح هذا المزاج بالنخب السياسية التي تربعت على عرش الحكم في فرنسا منذ بدء الجمهورية الخامسة، وها هو الشعب يختار يمينا متطرفا، وحزبا سياسيا جديدا عمره لا يتعدى العام الواحد  فقد تأسس حزب «إلى الأمام!» في السادس من أبريل 2016، وعدد أعضائه وصل الى أكثر من مائتين وستين ألف عضو، بقيادة شخصية جديدة على السياسة، ولكن هذه الشخصية تحمل رؤية جديدة مغايرة للسائد في الساحة السياسية التقليدية؛ والفارق بين حزب اليمين المتطرف والحزب الجديد، الجامع بين اليمين واليسار، فارق هامشي، وكأن الشعب الفرنسي أمام مفترق الطريق؛ طريق على مسار اليمين المتطرف، وطريق على مسار فكر سياسي جديد وغير تقليدي... فالشعب الفرنسي بهذا الخيار يضع مصيره أمام اختبار صعب، والخيار يميل الى اليمين بشكل عام، لأن خياره لليمين المتطرف واضح، وخياره للحزب الجديد كذلك يوحي بالميل الى اليمين، لأن مؤسس الحزب تحول من اليسار الاشتراكي الى نهج يجمع بين اليسار واليمين، فوجهة المؤسس واضحة، وجهة من اليسار في اتجاه اليمين؛ إذا فالوجهة العامة والغالبة للشعب الفرنسي في هذه الانتخابات هي السير إلى الأمام على طريق اليمين...
وبغض النظر عن من سيدخل الى قصر الإيليزيه فإن فرنسا مقبلة على عهد جديد، وتبعات هذا العهد الجديد قد تقتضي لزاماً بتخطي الجمهورية الخامسة وتدشين جمهورية سادسة... فرنسا ستتحول الى ساحة لتجاذبات سياسية حادة بين اليمين واليمين مع شبه غياب لليسار، وشخصياً لا أستبعد صعود اليمين المتطرف الى سدة الحكم في فرنسا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا