النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الدولار ومأزق شمشون الجبار

رابط مختصر
العدد 10229 الثلاثاء 11 ابريل 2017 الموافق 14 رجب 1438

تناقلت حديثا مراكز اخبار المال والعملات والمعادن الثمينة وعلى رأسها الذهب خبر يفيد بأن الذهب والدولار قد صعدا معا في وقت واحد، وهذا الصعود المتوازي بين عملة مركزية ومعدن قياسي يخالف المعهود بين الإثنين، بمعنى أنه إذا ارتفع الذهب، بموازاته ينخفض الدولار، والعكس صحيح، أما أن يرتفع الإثنان معا في نفس الوقت، فإن في الأمر قضية شائكة، وهذه القضية الشائكة تشير إلى أزمة، أزمة الدولار بعد المستجدات على الساحة السياسية، بتعدد الأقطاب، والساحة الإقتصادية والتجارية بالتحول من الدولار في المعاملات التجارية إلى العملات الوطنية بين الدول التي تتبادل العملية التجارية بينها. 

إذا كيف نفهم هذا المأزق الذي يعيشه الدولار من خلال تزامن صعوده مع الذهب، واعتبار هذه الظاهرة مؤشرا على أزمة الدولار... هل حقا يعيش الدولار مأزقا؟ أليس من الممكن أن يكون هذا الصعود المتوازي بين الدولار والذهب حدثا عفويا في سوق العملات الاساسية والمعادن الثمينة؟ إن ذئاب المال في الوول ستريت في نيويورك وفي عواصم المال في أوروبا وشرق آسيا يتربصون للتقلبات بين العملات والمعادن الثمينة، ويتفننون في معادلات العرض والطلب لاستئصال الفارق بين الصاعد والنازل،

وهم قد ثبتوا معادلة العرض والطلب على قاعدة النزول مقابل الصعود، والصعود مقابل النزول، فلا مجال إذا للعفوية أن تخترق حصون هؤلاء الذئاب، إلا إذا كان الذئب الكبير الجريح قد كشر عن أنيابه وفرض على معادلة العرض والطلب مخرجا مغايرا للقاعدة، وذلك لأهداف خاصة بمصالح الذئب الكبير الجريح، وهذا ما حصل حسب قراءتنا لمسار الدولار بعد أن تخلص من أعباء الذهب، وبعد أن خرج النفط من تحت سطوته، وبعد ان قلصت المعاملات التجارية العالمية اعتمادها الدولار في عملية البيع والشراء وخاصة بعد تشكل التكتلات الإقتصادية مثل الإتحاد الأوروبي، ومنظمة جنوب آسيا - الآسيان، ومنظمة التعاون الإقتصادي - الإيكو والتي تضم مجموعة دول آسيا الوسطى مع تركيا وباكستان وإيران،

ومنظمة شنغهاي التي تضم روسيا الاتحادية والصين وثلاث دول من آسيا الوسطى، ومجموعة التعاون الإقتصادي لآسيا والهادي - إيبك، والمجموعة الإقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا... وهذه التكتلات تغطي مجمل قارات العالم، إضافة إلى دول مثل روسيا الإتحادية والصين والهند والتي استطاعت أن تنهي مرحلة القطب الواحد وتدشن مرحلة تعدد الأقطاب وبنفس اقتصادي ونظام مالي مناهض للدولار كعملة احتياطية رائدة. 

إذا فإن ظاهرة الصعود المتوازي زمنيا بين الذهب والدولار لا يمكن أن تكون عفوية بقدر ما أنها تتضمن إشارة الى أزمة يعيشها الدولار...الدولار بعد فك ارتباطه بالذهب ارتبط بالنفط وهو ما يعرف بالبترودولار، والآن النفط يفك ارتباطه بالدولار، وذلك لأسباب اقتصادية نفطية مستجدة مرتبطة بطموحات الرأسماليين في مجال النفط، خاصة بعد تطور تقنيات استخلاص النفط الصخري مما رفع من المنتوج النفطي الامريكي الى مستويات التصدير ومنافسة أسواق النفط، ورغم أن هذا الطموح المستجد يؤثر سلبا على مكانة البترودولار إلا أن الصراع الرأسمالي -الرأسمالي الداخلي لا يعير أية أهمية لمكانة البترودولار أمام المصالح الخاصة بكونتون رأسمالي أمام كونتون رأسمالي آخر، والرأسمالية بطبيعتها أنانية وليست وطنية... 

إذا اصبح الدولار اليوم في وضع غير مسنود وهذا الوضع يؤثر سلبا على مكانة الدولار، أمريكا أزالت السند الذهبي طوعا، ولكن الصراع الرأسمالي-الرأسمالي أنهى عصر البترودولار بالرغم من أنف الدولة الرأسمالية الرائدة...

المقابل القوي امام الدولار هو الذهب واقتصاديات الأقطاب الدولية الصاعدة والمنافسة بقوة للدولار وسادة الدولار...و لكن مازال الدولار يتنفس في أجواء التجارة العالمية، خاصة وأن أمريكا هي مركز التبادل التجاري العالمي، ولهذا السبب يستميت الدولار من اجل المحافظة على مكانته، فيدخل في سباق لاهث مع العملة المعدنية - الذهب...فتصاعد الدولار بموازات الذهب ليس دليلا على قوة الدولار ولا تعبيرا عن حال غير طبيعي...الطبيعي ان يعمل الدولار على إثبات مكانته (المهزوزة) في موازات الذهب وليس امام الذهب، لأن ارتفاع الذهب هو نتاج تنامي قوة الذهب امام العملات ومنها الدولار، بينما ارتفاع قيمة الدولار ليس نتاج قوة، بل نتاج تلاعب مالي في سوق العملات لحفظ ماء وجه الدولار...الدولار يبحث عن سند جديد بعد الذهب والنفط...فهل سينجح الدولار للحصول على هذا السند المنشود...؟..

لا ندري... ولكن على المستوى السياسي، فإن أمريكا تستثمر إمكانياتها السياسية لتحقق مكاسب اقتصادية مرتبطة بمكانة الدولار عالميا، فهي تعمل جاهدة على كبح جماح الإقتصاد الروسي، هذا الاقتصاد المتنامي بوتيرة صاعدة يستشف من أفق صعوده مزاحمة ومنافسة للاقتصاد الامريكي ولمكانة الدولار، خاصة أن روسيا تمتلك موارد إقتصادية كامنة هائلة، فتستغل أمريكا صراعاتها على الساحة الدولية مع روسيا بفرض عقوبات اقتصادية عليها، ولكن هذه المحاولات أثبتت الوقائع على الأرض الروسية أنها غير مجدية، فصندوق النقد الدولي كان قد توقع تراجعا في الاقتصاد الروسي بنسبة 1، 1٪‏ في عام 2016 وإذا بالتراجع يتراجع الى 8،.٪‏، واستطاعت روسيا أن تخترق العقوبات الامريكية عليها بأن أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الروسي سوف يحقق إرتفاعا قدره 1، 1٪‏ في عام 2017،

هذا حسب توقعات الصندوق، بينما الاقتصاد الروسي في وارد تحقيق ما هو أعلى من هذا المعدل، من جانب آخر فإن روسيا تمتلك احتياطيا هائلا من الذهب، أي أن الروبل الروسي، وحتى في حالة عدم ربطه بالذهب، فإن هذا الاحتياطي الهائل من الذهب يصب في اتجاه دعم الروبل... أمريكا تفتح على منافسيها، وعلى رأسهم روسيا، أبواب صراعات شتى من أجل المحافظة على مكانة الدولار عالميا، فمن المشاغبات العسكرية والتدخلات في الشئون الداخلية والمناكفات الإقتصادية والمناورات السياسية، ها هي اليوم تفتح بابا إعلاميا على روسيا بالهجوم على قناة «روسيا اليوم»، وقد بلغ هوس الهجوم على روسيا بمقارنتها بالنازية، وصف روسيا بالنازية لم يحصل حتى في الحقبة السوڤياتية، كل هذه الجهود التي تتسم بالهوس والتخبط تؤكد على عجز صاحبها وعبثيتها وعدم جدواها.

هذه القعقعة والجعجعة الامريكية بأدوات الحرب والسياسة والإقتصاد والإعلام، كلها تشير بوضوح أن الإدارة الأمريكية موقنة تماما أن دولارها في مأزق حرج، وأن مكانتها الدولية سوف تهتز إذا إهتز الدولار... 

فهل بإمكان أمريكا إنقاذ الدولار؟ نكرر بأننا لا ندري، ولكن الوقائع تشير إلى عدم قدرة أمريكا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. 

و ملخص القول والرأي أن الصراع الرأسمالي-الرأسمالي يساهم في إضعاف الدولة الرأسمالية، الرأسماليات تتطاحن فيما بينها على حساب نفسها ودولها، وهذا درب من دروب الرأسمالية، دروب ستؤدي بها إلى منعطف تاريخي جديد أكثر تطورا وارتقاء، ورغم هذا الرأي النظري الذي يساير التطور الطبيعي، فإن هناك هاجس العودة إلى الوراء البعيد البعيد إذا قرر شمشون الجبار هدم المعبد على نفسه وعلى الآخرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا