النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

أخي جاوز الظالمون المدى...

رابط مختصر
العدد 10215 الثلاثاء 28 مارس 2017 الموافق 29 جمادى الآخرة 1438

(من يأس السياسة إلى نشوة الطرب، ومن نشوة الطرب إلى كشف عورة السياسة)...

من بين حطام نكباتنا في ذاتنا، ومن بين أشلاء قتلانا بفعل سيوفنا، نذكر أنفسنا من تحت أكمام الصوت بقضيتنا الأولى، علَّ وعسى أن ينتفع المؤمنون الصادقون من الذكرى...

منذ أن جاء تقسيم فلسطين بقرار وغطاء دولي والعرب من رفض للتقسيم إلى كظم لغيض بفعل التوسعات المتوالية لدولة اسرائيل إلى توالي النكسات والنكبات ولكن من غير (هزيمة!!!)... الغيض فينا هضم النكبة والنكسة ولم يستوعب الهزيمة، رغم أن النكسة والنكبة أمر وأمض من الهزيمة، وما هذا التناقض بين دفتي النكبة والهزيمة سوى سيكولوجية التخاذل في الهزيمة وليس في النكبة ولا النكسة، رغم توالي النكسات والنكبات...

وكانت لحظة فاصلة بين ضياع فلسطين واستعادة فلسطين، فارتفعت أصوات الثأر والانتقام وقدسية القضية... «قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى!!!»... وتسابق الشعراء والخطباء يبكون فلسطين ويتوعدون الظالم المغتصب، ومن أروع ما قيل من شعر في قضية العرب الأولى هي قصيدة «فلسطين» للشاعر المصري علي محمود طه، وقد حفزت كلمات القصيدة الموسيقار العربي الكبير محمد عبدالوهاب لترجمتها بأنغام الموسيقى، فكان التزاوج بين الكلم والنغم لحث أصحاب القضية الأولى على المضي قدمًا وباطراد من أجل استعادة الحقوق وصون الكرامة. وتوالت السنون بعد السنين والتباطؤ العربي يأخذ منحى التردد والانكفاء واسدال الستار على «قضية العرب الأولى»، مما استدعى الأمر أن نترحم على الذين تحمّسوا وحمسوا من أجل أم القضايا... نترحم على الشعراء والأدباء والفنانين والموسيقيين الذين تبنوا القضية بأدواتهم الأدبية والفنية والكل على وعي تام بصدق نواياهم، ويصعب الترحم على غالبية السياسيين الذين كانوا يرفعون شعارات القضية، لأن نواياهم مغبرة بأنانية المصالح الذاتية والطموحات التي تستوعب التلاعب بأم القضايا...

فرحم الله الشاعر علي محمود طه إذ لم يكن يعي أن العرب قد جاوز ظلمهم لأنفسهم، وتجاوزت عصبيتهم الجاهلية في ذات العرب كل أبعاد المدى، فيصدق فيهم قول الشاعر «جاوز الظالمون المدى» عندما يتجاوز ظلم الظالم لإخوته وأبناء جلدته، ظلم العصبية الجاهلية الأولى...

 ورحم الله الموسيقار العربي المبدع محمد عبدالوهاب الذي أضفى على كلمات «أخي جاوز الظالمون المدى» نغمًا يترجم الكلمات الى أحاسيس نابضة تطرق أبواب النفس وتستحث الكرامة من جذورها وتجعل من الضمير حياة نابضة لصون الكرامة واستعادة الحقوق من مغتصبيها وتحقيق ما رمى إليه الشاعر إذ قال:

 أنتركهم يغصبون العروبة مجد الأبوة والسؤددا

وليسوا بغير صليل السيوف يجيبون صوتًا لنا أو صدى 

تلوك ألسنتنا ليل نهار كلمات لم نعد نعيها ولم نعد نعنيها ولكننا كالبلهاء نردد أن الصهيونية قد تخطت كل الخطوط الحمراء للاحتلال واحتلالات ما بعد الاحتلال الأول، ولكل مدى من كرامات الانسان الفلسطيني والعربي، كلمات كالعلكة بين مطاحن فكينا تنقلها ألسنتنا عفويًا بين مطاحن اليمين ومطاحن اليسار إلى أن ينبذها جوف الفم وبنفخة بين الشفتين تلقٰى العلكة على مداس الطرقات، هكذا صرنا نداعب ضميرنا بفارغ الكلمات، وأضحت قضيتنا الأولى مسرحية هزلية، هزلت حتى هزليتها، مسرحية تطرب لها الصهيونية وتتشوق لرنين كؤوسها، بينما، وفي الوقت المتوازي معها، تسترزق منها الجوقات المتلونة بالسياسة والمتعطرة بالبارود (بار الود) والمدججة بالكلن - يشوف (كلاشنيكوف)، جوقات تتغنى دون استحياء «بالدم، بالروح نفديك يا فلسطين»... وتخطى العرب الخطوط الحمراء للتردد والانكفاء وتخطوا كل مدى، وأفرغ المدى من مداه...

بكى الشاعر، وعبدالوهاب رتل الحزن والبكاء...

واليوم يبكي العربي ليس فلسطينا، ولكنه يبكي الكرامة التي انتهكها ساسة من العرب رفعوا ويرفعون شعارات تلمع ببريق كلمات جوفاء، بينما مساعي التهافت على إرضاء المصالح تدفع بهم للتقرب ولإرضاء «الكيان المغتصب» وتذللاً لدلال مطالبه... 

كم كانت في صرخة الشاعر عزة وكرامة، وكم حمل ترتيل المطرب أملاً لنهضة أمة تستعيد كرامتها، 

وإذا بالكرامة وهم، وإذا بالمصالح الأنانية فعل واقع، وأمر من المر ان المصالح الذاتية الأنانية أضحت نهجًا (عربيًا) مباركًا، فمن لم يستفد من كرسيه ومنصبه فهو غبي أبله؟؟؟!!... 

العرب، شعبًا وحكومات وجيوشًا ومعارضين وجهاديين إسلاميين ووطنيين وأناسًا من تحت تراب الظلم والقهر وأسيادًا من ثغور القصور وعنابر الأمن، كلهم في حرب طاحنة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، كلهم حقد وكراهية لم تشهد لها البشرية مثيلاً...

وإسرائيل تنعم بالسلم والأمان والاستقرار وراحة البال والمآل... وسيفها الأمض فينا انها تتلاعب بنا دون قعقعة السلاح ولا جعجعة الجنود والحشود ولا طلقة رصاص ولا شيكل مال (الشيكل هي العملة الإسرائيلية)، وصار منا من يرى في الصهيونية الأمن المرتجى والصديق المرتقبا، فإين منا غضبة الشاعر (أنتركهم يغصبون العروبة مجد الأبوة والسؤددًا؟)... 

لقد خبت وولت صرخة «أخي جاوز الظالمون المدى...»، وأصبح جيلنا العربي الحاضر لا يفقه معناها فكيف بمداها...

إن لصرخة المظلوم معنى وبعد المعنى مدى، وفي أعماق المدى تكمن العزيمة ويتأكد الفعل... فكيف وأنى بالفعل إذا كانت العزيمة مسحورة بدلال الظالم المغتصب...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا