x
x
  
العدد 10397 الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 الموافق 6 محرم 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10207 الإثنين 20 مارس 2017 الموافق 21 جمادى الآخرة 1438
 
 

أسباب كثيرة كانت تفرض على المواطن المصري «سيد الدويك» أن يبتعد تمامًا عن المشاركة في تشييع جنازة الشيخ «عمر عبدالرحمن» مفتي الجماعة الإسلامية، الذي توفي في أحد السجون الأمريكية، خاصة بعد أن تجاهلت الإدارة المصرية مطالب الذين اعترضوا على إعادة جثمانه إلى مصر، ولم تستجب الإدارة الأمريكية لمطلبهم بأن تدفنه في مياه البحر، كما فعلت مع جثمان «أسامة بن لادن» وهو ما شجع الجماعة على دعوة أعضائها - عبر شبكة التواصل الاجتماعي - للاحتشاد في الجنازة، ليؤكدوا للجميع أن الذين طالبوا بذلك هم مجرد شرذمة لا تمثل إلا نفسها، ودفع أحد أبناء الشيخ على أن يتحداهم قائلاً: موعدنا الجنازة. وهي حقائق تؤكد كلها أن الجنازة ستتحول إلى ساحة مزدحمة يختلط فيها جموع المشيعين بعناصر من الإرهابيين المتقاعدين، بصفوف من رجال الشرطة العلنية والسرية، وهو ما يوجب عليه ألا يقترب منها، وأن يبتعد قدر الإمكان عن ساحتها.
أحد أهم هذه الأسباب، أن مسقط رأس «سيد الدويك»، كان قريبًا من المدينة الصغيرة التي ولد فيها - وعاد ليدفن في ترابها - الشيخ «عمر عبدالرحمن»، ومن الوارد أن يلتقي في زحام الجنازة - التي شارك فيها خمسة آلاف من أعضاء الجماعة الإسلامية فضلاً عن كل أهالي المدينة - بمن يعرفونه من أهالي المنطقة... وفضلا عن ذلك، فقد كان وجهًا معروفًا لرجال الأمن فيها وفي غيرها، لأنه من المصنفين لديها باعتباره «مسجل خطر نصب وانتحال صفة وفرض سيطرة من الفئة B» صدر بحقه 25 حكمًا قضائيًا في هذه المجالات كلها، وتبحث عنه الشرطة، لاتهامه في 15 قضية أخرى.
ولابد أن هناك أسبابًا أخرى، كانت وراء استهانته بهذه المخاطر كلها، واتخاذ قراره بالمشاركة في الجنازة كان من بينها أنه كان قد ظهر منذ شهور قليلة في مؤتمر اقتصادي حاشد، عقد في أحد فنادق الدرجة الأولى بمدينة أسوان السياحية، تحت رعاية أحد رجال الأعمال، وحضره مندوبون عن عدة جهات رسمية، استقبلوه بحفاوة عندما قدم لهم نفسه، باعتباره نائب وزير التربية والتعليم، وممثل الوزارة في المؤتمر، وأجلسوه على المائدة الرئيسية، وصفقوا بحرارة في أعقاب انتهاء المداخلة القصيرة التي شارك بها في مناقشاته، دون أن ينتبه أحد منهم، إلى أن ما قاله لا صلة له بالاقتصاد.. ولا بالتربية والتعليم.. وكما هي العادة في مثل هذه المناسبات، فقد انتهز بعض المشاركين في المؤتمر، فرصة تشريف السيد نائب الوزير، فسعوا للتعرف إليه، وقدم بعضهم له مذكرات حول مشاكل لهم مع الوزارة، أحال بعضها إلى المسؤولين وأعادها إلى أصحابها، واحتفظ بالباقي، لكي يتولى بنفسه متابعتها.
أما المهم فهو أن «سيد الدويك» قرر لسبب ما، أن يشارك في جنازة «عمر عبدالرحمن» بأن يرفع من مستوى الشخصيات التي تعود أن ينتحل صفتها، ربما لكي يضفي على نفسه قدرًا من الأهمية، يتناسب مع أهمية الفقيد كشخصية عالمية، فإذا بسيارة فخمة تحمل أرقام وشارات رئاسة الجمهورية، تقف أمام مدخل السرادق، الذي أقامته الأسرة لاستقبال المشاركين في الجنازة، وينزل منها شخص وقور، يضع في عروة سترته الشارة التي تميز العاملين بالرئاسة، يقدم نفسه لأبناء الفقيد وأقاربه قائلاً: أنا المستشار «سيد الدويك»، مندوب السيد رئيس الجمهورية، أوفدني لكي أقدم لكم واجب العزاء في وفاة العالم الجليل «د. عمر عبدالرحمن» وأشارك في جنازته.
وكان طبيعيًا أن يستقبله أهل الفقيد بما يليق بمقام مندوب عن أكبر رأس في البلاد، وأن يخصصوا اثنين من كبار المشيعين المنتمين للجماعة الإسلامية لمصاحبته إلى المكان المخصص لأصحاب المقام الرفيع في السرادق، ومرافقته في كل تنقلاته، وأن يعلنوا خبر تشريفه للجنازة عبر مكبرات الصوت، ليثير ذلك اهتمام المشيعين خاصة المشتغلين بالسياسة منهم، صحيح أن الإدارة المصرية كانت - حتى ذلك الحين - قد أثبتت حرصها على الالتزام بالتقاليد الإسلامية التي تتعلق بالموت، ورغبتها في مجاملة أهل الشيخ الراحل ومريديه وتلامذته، إلا أن إيفاد الرئيس لمندوب عنه في تشييع الجنازة، ينطوي على إشارة سياسية يتوجب على الجميع أن يحاولوا فهم دلالتها والتفكير في مغزاها، يرتبط بعضها بمستقبل العلاقات بين الإدارة المصرية، وفصائل تيار الإسلام السياسي، وفي مقدمتها بالطبع «الجماعة الإسلامية».. ويرتبط البعض الآخر بطبيعة العلاقات بين القاهرة وواشنطن التي أمضى الشيخ الراحل، ربع قرن من عمره في سجونها بتهمة التحريض على الإرهاب.
وربما لذلك، لم يكن غريبًا أن يفض الإعلان عن مشاركة مندوب للرئيس في تشييع الجنازة، الاشتباك الذي كان دائرا بين المشيعين قبل وصوله، بسبب رفع لافتات وترديد هتافات تتهم الولايات المتحدة الأمريكية بقتل الشيخ الضرير، وتندد بسياستها المعادية للإسلام والمسلمين، وتحاول أن تضفي طابعًا سياسيًا على الجنازة، وهو ما اعترض عليه فريق منهم، أصروا على أن تحتفظ الجنازة بالطابع الديني الصرف الخالص من أي شوائب سياسية، وهو ما اتفق عليه الجميع، بعد أن وصل مندوب الرئيس، حتى لا يتسببوا في تعقيدات سياسية في العلاقات المصرية - الأمريكية.
والغريب أن «سيد الدويك»، أصر على أن يصاحب الجنازة حتى المقابر، وأن يحضر الدفن، وأن يتناول الطعام في المأدبة التي أقامتها أسرة الفقيد لكبار المشيعين القادمين من خارج المدينة، بل وقاده الاندماج في دور مندوب السيد الرئيس، إلى الحد الذي دفعه للإدلاء بتصريحات للصحفيين الذين كانوا يغطون الحدث، فأسرعوا ينشرون الخبر، الذي تنبهوا إلى دلالته السياسية المهمة، وأسرع المسؤولون في صحفهم، يحاولون استكماله بسؤال المسؤولين في الرئاسة عن تفاصيله، لتفتضح عملية النصب التي قادت «سيد الدويك» إلى محبسه، وفي تبريره لما فعل قال ردًا عن سؤال المحقق، إنه سعى للمشاركة في الجنازة، لكي يتعرف على بعض الشخصيات اللامعة التي توقع أن تشارك فيها، ومما يرسخ لديهم الاعتقاد بأنه يعمل برئاسة الجمهورية، فيسهل ذلك عليه مهمة النصب عليهم فيما بعد!
فهل كان ذلك هو المبرر الوحيد، أم أن «سيد الدويك» رأى أن هذا الاحتشاد لوداع أحد أمراء الإرهاب انتحل لنفسه صفة المفكر الإسلامي، هو عدوان على المهنة التي تخصص فيها، والتي يأكل منها عيشه، فقرر أن يسخر من انتحال الإرهابيين لصفة المفكرين الإسلاميين بأن يشارك في جنازة كبيرهم بانتحال صفة مندوب الرئيس ولفرط خيبتهم صدقوه!
ذلك سؤال أترك لك الإجابة عنه!


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟