x
x
  
العدد 10333 الإثنين 24 يوليو 2017 الموافق 30 شوال 1438
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10207 الإثنين 20 مارس 2017 الموافق 21 جمادى الآخرة 1438
 
 

كان البحث عن الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط هدفًا ثابتًا، لسياسة الإدارات الامريكية المتعاقبة، ولكن وبعد هجمات 2001 الإرهابية تغيرت المعادلة، وبدا في لحظة وكأن الاستقرار لم يعد مطلوبًا في المنطقة، بل بدا عائقًا من عوائق التقدم نحو تحقيق الإستراتيجية الأمريكية، حيث سبق للرئيس جورج بوش الابن التأكيد أن الحفاظ على الاستقرار بحد ذاته يشكل عائقًا أمام تقدم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة الأمريكية استخدمت في عملها سلسلة من التدابير، تتراوح بين استخدام القوة العسكرية المباشرة، لتغيير الأنظمة في أفغانستان والعراق بوجه خاص، وبين سياسة الاحتواء المزدوج القائمة على سياسة الجزرة والعصا، لتحقيق الأهداف، تحت غطاء التشجيع على الالتزام بطريق الإصلاحات في المنطقة، وفقًا للرؤية الامريكية. ولعل ما تسرب من رؤى واردة في دراسة عسكرية أمريكية، بشأن مستقبل الوضع بالعراق، والتي تدعو إلى دعم المنتصر في الحرب العراقية، يبدو تأكيدًا عمليا لنظرية الفوضى.. بما يعني ان الاستقرار هو نقيض المصلحة الأمريكية، وبالعكس من ذلك فإدخال المنطقة برمتها ضمن دائرة متصلة من الحروب والمنازعات، وتحريك وتمويل الجماعات الداخلية، وتشجيعها على إثارة الفوضى والنعرات وإشاعة حالة من الاحتجاجات ضد السلطات المحلية، يكاد يكون هو المطلوب، وعندما تضطر الدول المتضررة من اتخاذ إجراءات استثنائية، يسهل وقتها تصنيفها كدولة غير ديمقراطية ولا تفي بمعايير حقوق الانسان، أو تصنف دولة مارقة، فتتم محاصرتها وابتزازها وربما حتى إسقاطها. كما حدث بالفعل. التجربة في العراق وفي أفغانستان مثال على ذلك، والتجربة الجارية في عدد من الدول العربية الأخرى، من بينها سوريا وليبيا كمثال آخر تحت التطبيق، بمعنى آخر، أن القوة توجه إلى خصوم الولايات المتحد الأمريكية، ونصيب الحلفاء من ذوي النزعات الاستقلالية، هو الابتزاز والضغط أو الاحتواء المزدوج.
هذا المنظور يترجم ما يسمى أمريكيًا بالفوضى البناءة، والتي تستند إيولوجيا على مفاهيم عنصرية تصف الوطن العربي بكونه تجمعًا لأقليات دينية وعرقية عاجزة عن العيش سوية في كيانات حضرية وطنية، ولذلك ترتكز الحلول المقترحة من أجل خدمة الديمقراطية ومصالح أمريكا معًا، على استخدام صريح لإحياء النعرات الطائفية أينما وجدت، وجميع المفاهيم ما قبل الدولة، وحشد القوى الطائفية المحلية وإثارتها ضد الأوضاع القائمة من خلال التركيز على النزعات الحقوقية من ناحية، وعلى مفاهيم الإصلاح السياسي في إطار إستراتجية «الفوضى البناءة»، وهو ما يسميه احد منظري هذه الفوضى السيد «جيل بونتكورفو» بـ«سياسة الزعزعة الديمقراطية»، وتقوم هذه السياسة على الارتكاز إلى قطاعات من المجتمع المدني تطالب بالتغيير والإصلاح والعدالة، ودعم تحركاتها من خلال تعبئة الإعلام المحلي والدولي، واختراع «أبطال مغامرين» لحركة المعارضة التي غالبًا ما تتخذ طابعًا استعراضيًا (حيث تلتقي مصلحة هذه المعارضة مع المصلحة الخارجية، فتنساق وراء هذه اللعبة لتتحول إلى مجرد بيادق في استراتيجية هذه الفوضى. وقد سبق ان رأينا العديد من هؤلاء «الأبطال» في العديد من يركضون في كل اتجاه لإثارة الفوضى، بل ويستفزون السلطات لتتخذ في حقهم إجراءات قانونية أو تعسفية تسمح لهم بالتحول إلى أبطال على الصعيد الإعلامي، لتقوم بالتوازي مع ذلك صانعة الفوضى البناءة وقائدتها بتعزيز الضغط الدولي على السلطات، لكن هذه السياسة قد أسهمت على نحو مفجع بتراجع قيم الوحدة الوطنية في العديد من البلدان وانتشار الفوضى وانعدام الثقة، حيث أسهمت في لبنان مثلاً بتفاقم الطائفية، مما أدى إلى مواجهة بين الطوائف الأساسية في البلاد، والانقلاب عن مفهوم الدولة والتحول للاحتماء بالملاذ الطائفي، حيث تتم بشكل منهجي الاستعاضة عن الدولة بالطائفة، واستخدام المشاعر الطائفية، التي حين تحلّ محلّ الوطن فإنها تضفي صفاتها وخصائصها وولاءاتها عليه، لأنها تنفيه إلى العدم لتشيد عدمها الخاص مكانه في هيئة حروب تدميرية عقيمة وإعادة إنتاج لحروب أخرى من ذات الطبيعة، وهكذا يستمر تاريخ الوطن في الدوران في حلقة مكررة من الخراب والدمار والغبن الشامل.
وخلاصة القول إن الولايات المتحدة التي لا تخفي أنها قائدة الفوضى الخلاقة وتطبيقاتها في العالم، تقوم حاليًا على التركيز على أولويات ثلاث:
- تجميع أكبر عدد من المعلومات حول الديناميات السياسية والاجتماعية والاقتصادية و«الاثنية» والطائفية، في البلاد العربية بغرض توظيفها في تنفيذ مشروعها.
- خوض معركة حول شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون، للتغطية على الأهداف والمقاصد الحقيقية..
- عدم توفير فرصة للنجاة أمام الأنظمة المعارضة للسياسة الأمريكية، ومضايقة الأنظمة ذات النزعات الاستقلالية.
ولكن ما الحصيلة الأولية للفوضى الأمريكية إلى حد الآن في التجربة العراقية على سبيل المثال فقط؟ النتيجة كما هي معلومة: تفاقم التوتر بين مختلف مكونات المجتمع، مع إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة التمثيل الطائفي والعرقي بإشراف أمريكي. وهو ما يعبر عن تسرّع في إيجاد حكومة ذات صفة تمثيلية ولو نسبية، ويندرج ذلك ضمن سياسة طوائفية واضحة المعالم تبدو أنها الخيار السياسي الذي يراه الامريكان مناسبا للمنطقة.
ففي مقال للسياسي الأمريكي «روول مارك غيريشت» نقرا العبارة التالية التي تلخص جزءًا من هذه الإستراتيجية: «على الحكومة العراقية وعلى الأمريكيين أن يظهروا بوضوح بأن الشيعة في العراق هم المنتصرون... ويجب التأكيد علنا وباستمرار أن الجيش العراقي سيكون شيعيًا وكرديًا بغالبيته، وعلى السنة العرب أن يعرفوا ويشعروا حسيًا أنهم يخسرون في العراق». (هكذا!!) هذا نموذج للمنطق الأمريكي الذي يريد أن يؤسس إلى حسم طائفي في العراق، تمهيدًا للتقسيم، لان التقسيم في النهاية مصلحة أمريكية وإسرائيلية بالدرجة الأولى، حيث يتحول الوطن إلى أوطان وتقفز الطائفة إلى الصدارة وتتفتت الأرض إلى كانتونات معزولة... إلا انه ولفرط ما لعبت الإدارة الأمريكية بالورقة الطائفية، لإضعاف الدول والقوى المناهضة لنفوذها، ولفرط ما فرضت نفسها محرضًا على الحروب الأهلية تكون قد أطلقت ديناميات تفكيكية تصعب السيطرة عليها عندما ينقلب السحر على الساحر، وهذا تقريبا ما يحدث حاليًا في العراق وسوريا وأفغانستان وليبيا.

همس

نمضي بلا حواس،
في صحراء الروح.
ملت من وجودنا،
من وجوهنا الطرقات.
تسخر من أحلامنا
من الحب العالق،
المعلق بغباء.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟