النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

لا تغضــــــب

رابط مختصر
العدد 10202 الأربعاء 15 مارس 2017 الموافق 16 جمادى الآخرة 1438

هل نحن بحاجة إلى قليل أو كثير من الغضب؟ هل الغضب المعقول محمود؟ أم أن هذا الغضب وإن بدا معقولاً لكنه قد يترك عندنا عادة تزداد مع الأيام فتؤثر في قراراتنا ومواقفنا ومن أقوال الحكماء: «لا رأى مع الغضب»، «لا يجد العجول فرحًا، ولا الغضوب سرورًا، ولا الملول صديقًا»، «من أطاع غضبه أضاع أدبه»، فقد أوصانا النبي الهادي محمد صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب ولك الجنة».
أسباب كثيرة في زماننا تثير فيك الغضب فبعض هذا الغضب يتلاشي بزوال السبب، وبعضه يبقي مكتومًا يثار عندما تتكرر الأسباب أو يثار موقف من جديد، أبسط أمور الغضب التي نصادفها هذه الأيام زحمة المرور، ومحاولة البعض تجاوز آداب السير، فإذا بك خشية من أن تتورط في حادث مروري تصرخ في وجه المتسبب دون أن تعرفه أو أنك في أحسن الأحوال لست معنيا بأسباب تجاوزه ولا يمكنك أن تلتمس له الأعذار، فإن كان هو على عجل من أمره وبه حاجة إلى كسب الوقت لكنك لست معنيًا بالتجاوب معه والإشفاق عليه من عدم تمكنه من تلبية حاجته لأنك من حقك أن تصل أيضا إلى بغيتك بأمن وسلام، ومن مسببات الغضب أن لا تنجز معاملاتك بالسرعة المطلوب والمأمولة فالموظف أو مقدم الخدمة لك ربما لا يكون معنيًا بتكوينك الفسيولوجي ولا بتركيبك البشري من إحساس ومشاعر تؤلمك عندما تنشد حاجة فلا تصادف من الطرف الآخر إلا إهمالاً وتقصيرًا وتسويفًا ومماطلة وكأنه فطر على تعذيب الناس والتشفي بحاجتهم إلى إنجاز معاملاتهم، ويشعر في ذات نفسه أنه شخص مهم وعلي الآخرين أن يقدروه من خلال التباطؤ في تقديم الخدمة والتسويف ظنًا منه أن في ذلك إرضاء لطموحه في أن يظل الناس بحاجة إلى خدماته، عندئذ لا تملك إلا أن تغضب وإن كان الغضب دفينًا، لأنك تهدف إلى أبعد ما يظن هذا الشخص، فتكتم غضبك لحين إنجاز معاملتك وتخرج من عنده إلى الشارع وأنت كل همك أن تنفس عن نفسك ردًا على ما لقيته من إهمال وتقصير، وفي النهاية تحمد الله أنك أمسكت عليك غضبك ونلت ما تمنيت من خدمة.
وسنعجز عن ذكر أنواع الغضب ومسبباته لكنني واثق بإننا جميعًا نمر بظروف مماثلة في حياتنا مهما تعددت بلداننا وجنسياتنا لكننا في هذا الزمن الصعب نتعرض إلى مسببات كثيرة وكبيرة تجعلنا لا نملك مشاعرنا ونلجم غضبنا ونحن نرى بأم أعيننا قوافل النازحين والمهجرين من أوطانهم رجالاً ونساءً وأطفالاً في مختلف الأعمار، أو نرى مدننا وقرانا وحوارينا تدمر وتقصف وتسوى بالأرض ولنا أن نتخيل الجهد والوقت والمال الذي أنفق في تشييدها وإذا هي بين عشية وضحاها بقايا تراب ورماد، أو نرى آثارنا وشواهد تاريخنا وإرثنا الثقافي والتراثي والحضاري يعبث به ويدمر وينهب ويخرب وكأننا في عداوة حتى مع تاريخ الماضيين وإنجازاتهم وشواهد عطائهم على مر الزمن.
نعم نغضب عندما نرى الخيرات الطبيعية في بلادنا فلا نستفيد منها الفائدة المرجوة وقد نتركها نهبًا للغير وطمع الطامعين، ولو بذلنا جهدًا قليلاً أو مضاعفًا لكنا مكتفين ذاتيًا وكم تؤلمني عبارة «الاكتفاء الذاتي» لأنني مثلكم قرأتها وسمعتها منذ بواكير التعليم في بلادنا، وإذا بنا نطلقها وكأنها حلم لا يمكن تحقيقه مع أنها بين أيدينا وعلى مسمع ومرآى منا، لكنه الزمن الشماعة الذي نعلق عليه كل تقصيرنا وقلة حيلتنا!!
إن علاج هذا الغضب الصبر قال تعالي: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) 157 سورة البقرة.
ونسمع دائمًا من السابقين أن «الصبر مفتاح الفرج» فكم نحن مشتاقون لهذا الفرج في حياتنا، فهو الذي يشعرنا بآدميتنا، وهو الذى يجعلنا نتوازن مع ذاتنا وحاجاتنا وقديما قال الشاعر:
اشتدي أزمة تنفرجي *** قد آذن ليلك بالبلج
للشاعر يوسف بن محمد بن يوسف التوزري التلمساني أبو الفضل 433هـ، 513هـ.
الله عليك يا أبا الفضل فقد عبرت منذ ذلك الزمن عن رغبتنا في انفراج الأزمات وانتظارنا لها على أحر من الجمر!!
أتأمل أحيانًا في غضب أحفادي ونبرات صوتهم، وملامح وجوههم، وإشاراتهم بلغة الجسد، وإذا هم سرعان ما يعودون إلى رشدهم وطبيعتهم السمحة وعفويتهم البريئة وطفولتهم الغضة، فأقول في نفسي أين نحن من هذه الطفولة الشفافة المرهفة الحس والشعور؟! هل افتقدنا كل ذلك عندما تقدم بنا العمر وهل كنا في يوم من الأيام مع تغير الزمن مثلهم وكنا نملك مثل ما يملكون من مشاعر غضة طرية ندية، وإذا بنا نتحول مع تقادم السنين إلى آخرين نفتقد كل تلك المعاني والقيم، وبتنا نغضب غضبًا شديدًا، لا رجعة لنا منه ونتصرف بما يوحيه لنا هذا الغضب المدمر، يقال: «إن في قلب كل رجل طفل» فأين هذا الطفل الذى في قلبنا لماذا لا يذكرنا ببراءة طفولتنا وحلمنا الوردي ويجعلنا نتوازن مع ذاتنا ونتصرف تصرف العقلاء لا الحمقى؟!
أتمني أن يكون غضبنا على حجم المثير له فلا نبالغ ولا نتمادى إلى أبعد من ذلك وأن يكون في الغضب الحل للمشكلة وليس تعقيدًا للمشكلة.

وعلى الخير والمحبة نلتقي،،،

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا