النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

في حضرة جلال الدين الرومي

رابط مختصر
العدد 10201 الثلاثاء 14 مارس 2017 الموافق 15 جمادى الآخرة 1438

«في حضرة جلال الدين الرومي» هو عنوان كتاب، ما وجدت أفضل منه عنوانًا لمقالي هذا عن ذات الكتاب. الكتاب من تأليف الأديب والمفكر التنويري إسحق الشيخ يعقوب الذي شد رحاله في رحلة فكرية في عالم مولانا جلال الدين الرومي ممتطيًا ديوان «المثنوي» وديوان «شمس الدين التبريزي»، فأخذه العجب والإعجاب بجمال الشعر في الديوانين، وما أن واصل مسيرته في رحلته الفكرية حتى تراءت له أمور محيرة تكاد أن تلامس اللامعقول واللامقبول، ومع تراكم أمور الحيرة تيقنت عنده قضايا تقتضي لزوم سبر الغور بأدوات النقد، وهكذا من الإعجاب مرورًا بالحيرة إلى النقد، فمولانا جلال الدين الرومي مهما علا مقامه فهو إنسان، والإنسان بفطرته وطبيعته وبمحدودية طاقاته الفكرية والنفسية نزاع إلى الانزلاق إلى متاهات الذاتية ومنها إلى الخطأ وبعض من الخطايا، فهذا المولانا جلال الدين ليس معصومًا عن الخطأ ولا منزهًا باتباع منهجية غيبية مطلقة، فهذه المنهجية رداء يلبسها إنسان، والإنسان خطَّاء... هذا ما رآه الكاتب عندما جال في عالم مولانا جلال الدين الرومي.
إن الخوض في غمار أشعار جلال الدين ليس بالرحلة الفكرية السهلة واليسيرة إذا ما أراد الكاتب المفكر أن يتخطى دائرة الوصف والتعريف إلى طرح مبهمات تثير الحيرة، وقضايا مجردة من واقعية التلازم بين المادة والروح تستنهض النقد الموضوعي المبني على أسس الجدلية في المادية العلمية، وهذا ما فعله أديبنا الذي تعمق في منهج الصوفية عند أحد أكبر دعاة الصوفية وهو مولانا جلال الدين الرومي.
جلال الدين الرومي قامة من قامات العرفانية التي مر بها في دهاليز الروحانية (نعم دهاليز الروحانية) ومنها تربع على عرش الصوفية، نسميه مولانا مثلما هو ملقب في أوساط عشاقه ومريديه والمعجبين به. هذا المولانا كان يطير بجناحين في فضاءات التخيلات الغيبية ويتودد إلى الغيبية المطلقة شعرًا، جناح «المثنوي» وجناح «ديوان شمس الدين التبريزي»، هما في الفضاء جناحان، وعلى الأرض قدمان، يطير بهما حيث العشق للغيب، ويسير بهما حيث الواقع والحياة والمعاش، فهو مهما أغرته جناحاه للطيران فوق الواقع إلا أن للواقع سلطة يستحيل تخطيه كواقع وتجنّبها كسلطة، فمهما تسامى بفعل الفكر في دائرة ذاته من تصورات وتخيلات مقطوعة عن الواقع إلى ما وراء الواقع والطبيعة، إلا أن جاذبية الواقع تنزله على الأرض وتمزجه بالناس وماديات الحياة، والاستدلال أن الأرض جذبته وتزوج وكون أسرة رغم أن نهجه الغيبي الصوفي يزدرئ المرأة ويعتبرها من النجس والدنس، فقد أنجب بتمازجه وتفاعله الجنسي مع هذا الدنس والنجس خلفته من البنين، وهذا ما يؤكد عليه مؤلف الكتاب في سياق حواراته الفلسفية مع الروحانية الغيبية في أشعار مولانا.
هذا المولانا ينظر الناس إليه نظرة تقارب القدسية، تقارب النبوة بعد خاتمة النبوة، فلم يجرؤ أحد على نقده ولا البحث في خبايا منزلقاته ولا طرح التساؤلات عن مكنون شعره الغارق في صوفية تسلب من الانسان إرادته وحيويته ونشاطه وطاقته الإنتاجية، فصوفيته تدعو الى الترفع على العمل، فله عند الناس معصومية فريدة.... معظم الذين كتبوا عنه أطنبوا في الوصف وبالغوا في الإعجاب، وقلة هم من الكتاب الذين تعرضوا لمولانا بالنقد، وغالبية هؤلاء الكتاب الناقدين من الغرب وليس من الشرق، وأديبنا المفكر إسحق الشيخ يعقوب هو أحد هؤلاء القلة القليلة الذين وقفوا وقفة حرة مستقلة جريئة أمام مولانا وقفة النقد دون تجريح مع الإعجاب بجمال الشعر دون إنحناءة القبول المطلق، فليس في عالم هؤلاء القلة من المفكرين التنويريين مكان للمطلق بالمطلق، فليس عندهم أي نص وأي إنسان مصون حصين منزه عن النقد.
مؤلفنا الناقد لمولانا كانت له وقفة مع الذات يستلهم أفضل السبل لنقل فكره النقدي في هذه الرحلة الفكرية - الروحانية مع مولانا، فلم يستسغ الصيغة البحثية التقليدية، بل أراد لجملة نقده أن تصاغ في نسيج روائي، فاختار صيغة الرواية، وحصر الرواية بشخصية واحدة، هي «عواطف»... فالرواية مونولوجية فلسفية، تقارع فلسفة بفلسفة، فلسفة مادية تستوعب فلسفة غيبية في ردائها الصوفي، وتواجهها في موضع مأزقها الأساسي، مأزق الهروب من الواقع، من الجسد إلى الاحتماء بالغيب، والتمترس بروح مجردة من قاعدة الجسد.
مثلما كان البطل الإغريقي أخيلوس في حمى الآلهة ضد أي سهم أو ضربة سيف، تصير مولانا إلى بطل روحاني في حمى معصومية أغدقها عليه الكثرة الكثيرة من المريدين والمعجبين وحتى الدارسين، إلا أن عقب أخيلوس الذي لم تمسه ماء الحياة أودت بحياته عند اكتشاف نقطة ضعفه، وكذلك عقب مولانا الذي تكشف وبأن لمؤلفنا، فكان العقب غير المصون هو علاقته المتناقضة، علاقته الفاترة الى درجة التغييب مع رفيقة حياته، زوجته جوهر خاتون، وعلاقته الحميمية الى درجة العشق مع المولى الرديف شمس الدين التبريزي. اخترق المؤلف ابن الشيخ يعقوب مسامات هذه العلاقة، فرأى في جوهر خاتون ضالته في مسار روايته الفلسفية. تحسس المؤلف في الزوجة المهملة تراكمات من المشاعر المؤلمة والجارحة والمهينة والتي تمس ذات كرامتها في جمالها وأنوثتها أمام غريم يعشقه مولانا زوجها، وهو المعشوق شمس الدين التبريزي: أن تكون المرأة غريمة لامرأة أمر سائد مهضوم، أما أن يكون للمرأة غريم ذكر من صنف زوجها فإن في الأمر، مثلما تشعر الزوجة، زرية لا تغتفر، فكيف لزوجة أن تقبل من شريك مخدعها وأبي أولادها أن يتفوه بشعر تتجلى فيه مشاعر الحب والعشق في رجل مثله وهو شمس الدين التبريزي، وأقتبس ذاك النص الذي ذكره الكاتب عن ذاك الغزل من مولانا جلال في حبيبه شمس التبريزي وما تركه من جرح في كرامة زوجته:
 «كأن قلبي على (جوهر خاتون) وشعر (جلال) يخدش أذنيها في مثلية نبض جماليته الشعرية في طعم حمياه وليس في طعم حمياها وهو يقول:
إن تألق جماله، فأين منه جمال الحسان
فوهجه شمس تضيء القناديل أبدًا
فامضِ أيها القلب سريع الخطوات الى اليمن
أبلغ العقيق النفيس مني سلامًا وإجلالاً»...
جملة هذه المشاعر المجروحة تجمعت في كتلة من العواطف الصلبة كجلمود صخر سدت مساماتها، فاختطف المؤلف هذه «العواطف» فصيرها اسمًا علمًا لشخصية روايته وهي بطلة الرواية عواطف. عواطف «العواطف» هي الراوية لأفكار المؤلف في تناوله شخصية مولانا ومذهبه الغيبي الصوفي، فشخصية عواطف هي جملة مشاعر الزوجة جوهر خاتون، فعواطف هي المجادلة جدلاً فلسفيًا يميل الى المادية في وجه نهج مولانا الغيبي الصوفي، وهي المحاورة مع ذاتها أمام مرآتها التي لا تفارقها، بينما مولانا زوجها لاهٍ مع الناي والشعر العرفاني الذي يبتغي الصعود به الى السماء وهجرة الأرض، وملازمة حبيبه ومعشوقه ابن التبريزي.
جلال الزوج (مولانا) كان مهووسًا بالناي، الناي الذي بكامل بساطته يعطي أنغامًا ناعمة شجية بالنفخ فيه تستوقف النفس وتوقف النفس، ومن النفخ إحياء لروح في الحياة، وما كانت عواطف (مشاعر جوهر خاتون) لتصغي لناي بعلها لأن صوت الناي كان يتغزل في الحبيب شمس الدين التبريزي، فاتخذت لنفسها نايًا عاكسًا لكامل جمالها المهجور وأنوثتها المجروحة، فكان نايها مرآة ترى نفسها فيها، تجادل وتناكف جلالها (مولانا) وهي ترى نفسها في رفيقتها المرآة، تناجي صورتها في المرآة وتتحسس جروحها في مسلك مولانا وفي فكره اللامجدي، نهجه السلبي الرافض لضرب المعول في الأرض وإنبات الزرع في الحياة للناس، كان البون بينهما كبعد الأرض عن الشمس... الرواية تحمل أفكار المؤلف عبر حوارات عواطف مع نفسها... أفكار تضاهي بالنقض والنقد فكر مولانا، بينما مشاعر جوهر خاتون حاضرة بين فكر وفكر، بين تضارب الفلسفة بالفلسفة، بين موقف منسجم مع الحياة الدنيا وموقف رافض للحياة مع معشر الناس وحشرهم...
إن من يقرأ كتاب «في حضرة جلال الدين الرومي» يجد فيه التكملة النقدية لديوان «المثنوي» و«ديوان شمس الدين التبريزي»، فقراءة الديوانين في غياب قراءة نقدية هي قراءة ناقصة لا تكمل مسيرة القارئ المثقف إلى مبتغاه الفكري والثقافي، وهذه التكملة النقدية رغم أنها قليلة السطور والكلمات مقارنة بديوانين من الشعر يقارب عدد أبيات الشعر فيهما السبعين ألفا، إلا أن هذا القليل من السطور قد كشف ما لم يكن بالحسبان، هذه السطور القليلة عبرت عن حرية الرأي والفكر، عبرت عن أن الفكر الحر يجب أن يتصف بالجرأة وثبات الموقف من تداعيات هذا الفكر الحر الجريء...
كتاب نقدي لصرح غيبي صوفي شبه معصوم، ولا تكتمل قراءة أشعار مولانا إن لم يمزج بقراءة كتاب «في حضرة جلال الدين الرومي»... وقراءة هذا العمل النقدي ليس بنزهة من نزهات قراءة أية رواية، رواية فلسفية تستوقف القارئ في محطات فكرية عميقة تستدعي التمعن والتفاكر مع الأفكار الواردة فيها، فقراءة الرواية هي رحلة فكرية بحد ذاتها.
الكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية ويضيف قيمة نوعية مضافة الى الثقافة العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا