النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

مأزق الأخلاق مع الإنسان

رابط مختصر
العدد 10194 الثلاثاء 7 مارس 2017 الموافق 8 جمادى الآخرة 1438

الأخلاق سيد السلوك، كان سلوكًا بشريًا أم حيوانيًا. وحتى لا يستنكر علينا أحد بإدراج الحيوان مع الإنسان في دائرة الأخلاق، نستذكر على سبيل المثال وليس الحصر المسلك الحيواني في القصيدة التي ألقاها الشاعر علي بن الجهم أمام أمير المؤمنين الأموي، وكان الشاعر يقصد أمير المؤمنين في قصيدته، وكم كان عليمًا بخصال الأخلاق عند الحيوان بينما يفتقر إليها الإنسان، عندما أنشد قصيدته أمام أمير المؤمنين بهذا المطلع: 

أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب.

وكان الشاعر صادقًا في تشبيهه الأمير بالكلب في خصال الود، وبالتيس في خصال العزم والحزم، وقد أعجب الأمير بهذا التشبيه له بكلب وتيس، وهذا يدل على أن الأمير كان مثل الشاعر عليمًا مقدرًا بخصال الأخلاق عند الحيوان، فلم يغضب ولم يستنكر ولم يعاقب الشاعر، بل أغدق عليه بعطاء مجزٍ كريم، وكأن الإنسان ينتقي، بالتشبه والتشبيه، من الخصال التي تبني كيان الأخلاق في مسالك الحيوان، فلكل حيوان خصلة خاصة به. وقبل أن أسترسل في رسم علاقة الإنسان بالأخلاق أحب أن أذكر أنفسنا نحن بني الإنس بأنه ليس في قواميس معارفنا عن الحيوان أن حيوانًا قد غدر بأخيه الحيوان،

فرذيلة الغدر بالمطلق لا مكان لها في عالم الحيوان، بينما جرائم الإنسان طعنًا في أخيه الإنسان مازالت حية نافذة كارثية مدمرة، فعلى المستوى الفردي فلا أخلاقية الإنسان تندرج من الكذب الأسود والغدر الى القتل، أما على المستوى المؤسساتي وخاصة السياسية منها فإن من قرارات السياسة هي افتعال الحروب غير المبررة لتحقيق مكاسب سياسية تأمن المصالح الاقتصادية للمتسيدين على موارد الطبيعة وجهود الأغلبية من البشر ولا يهم كم ألف أو مليون من البشر يضحون حطبًا لنيران تلك الحروب التي أشعلتها ومازالت تشعلها أنانية الإنسان.. 

الأخلاق بالمطلق جمال وكمال، كامل في جماله، وجميل في كماله، وما نطق عن الهوى عندما قال الرسول الكريم: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، فحقًا أن الإنسان في حاجة دائمة إلى تذكيره بمكارم الأخلاق، وهذا شأن الإنسان مع الأخلاق منذ بداية الخلق الى ما شاء الله للحياة من بقاء على الأرض. 

الأخلاق من رسم الأبجدية كلمة، وفي قواميس التعريف مفهوم، وفي الفلسفة وعلوم الاجتماع سلوك، والإنسان يتغنى بكلمة الأخلاق، ويتبحر فكرًا وحوارًا ومجادلة في مفهوم الأخلاق، ولكن مازال سلوكه متذبذبًا مترددًا متراجعًا أمام مقتضيات الأخلاق، فالبون بين سلوك الانسان والأخلاق مازال واسعًا، والخط البياني، الذي يرسم علاقة الإنسان بالأخلاق في تقلب لا ينبؤ باستعداد الإنسان لقبول وتقبل الأخلاق في كامل حلته وبهائه،

فالإنسان صاحب الفكر والقرار في مدى تقربه إلى الأخلاق. ومن مكارم الأخلاق سلوك الخير في مواجهة الشر، فإن الإنسان في واقعه المعاش يتردد سلوكًا بين الخير والشر، وكأن هذا التردد هو كيمياء الحياة عند الإنسان في صراعه مع نفسه من أجل البقاء، ذاك البقاء الذي يبتغي منه الاستفراد بخيرات الطبيعة والتمايز علوا على بقية إخوته من بني جنسه، وحتى أن بعضًا من الإنس يرى في نفسه أنه من فصيل الآلهة وليس البشر.

 إن علاقة الأخلاق بالانسان كعلاقة النبي نوح بابنه، إذ ينادي الأب ابنه لينضم إليه في سفينة النجاة، ولكن خديعة الثقة بالنفس أدت بالابن إلى الهلاك، فالأخلاق كأني به يتودد إلى الإنسان ويناديه أن يدخل صرحه (صرح الأخلاق) ليتكامل الإنسان في إنسانيته بالجمال والكمال والبهاء، ولكن يأبى الإنسان أن يدخل ذاك الصرح الكامل البهاء مخدوعًا بالثقة المبالغة في النفس.

الإنسان يحوم حول صرح الأخلاق ولكنه بعد لم يتخذ قراره بدخوله... وعن هذه العلاقة غير المكتملة بين الأخلاق والانسان نستذكر بالتأويل عن علاقة الانسان بالاخلاق في كتاب «مقالات فلسفية وسياسية» للفيلسوف المصري مراد وهبة في مقال «الفكر الفلسفي في جامعاتنا المصرية»، يتحدث في هذا المقال عن يوسف كرم، الذي يصفه بأستاذ الفلاسفة... يوسف كرم في رحلته الفكرية والتأريخية عن الفلسفة منذ العصر اليوناني الى اليوم أنهى رحلته بتأليف كتابين هما «العقل والوجود» و«الطبيعة وما بعد الطبيعة»،

وكان ينوي أن يكمل الكتابين بكتاب ثالث بعنوان «الأخلاق الإنسانية»، ونقتبس النص الحرفي من الجزء المتعلق بموضوعنا من مقال الفيلسوف مراد وهبة: «وهو (يوسف كرم) بالفعل قد انتهى من تأليفه عام 1948، غير أنه أعاد صياغته من جديد وأعده للطبع عام 1958، وإذا بالمنزل الذي يقيم فيه ينهار وتختفي (الأخلاق الإنسانية) ويموت هو بعد الحادث بأشهر قليلة»... ولا ندري ما الذي كتبه أستاذ الفلاسفة يوسف كرم عن الانسان والاخلاق، فلا الكتاب موجود ولا الفيلسوف موجود... وكأن الأقدار قد أوحت للفيلسوف،

المهتم بالاخلاق الانسانية، برسالة كارثية مفادها أن الإنسان بعد لم يرتقي إلى مستوى استيعابه مقتضيات كمال الاخلاق وجماله، وأن واقع الانسان غير الأخلاقي قد خلق أزمة الأخلاق مع الإنسان، وليس أزمة الإنسان مع الأخلاق، لأن القرار بيد الإنسان. ونظرتنا إلى الأخلاق، وبتصرف مجازي في هذا المقام، هي نظرة الى كيان حي واع قلبه على الإنسان والإنسان لاه في ملكوت ذاته الأنانية. 

 هذا هو حال الإنسان مع الأخلاق، ومن هذا الحال تأزم الأخلاق مع الإنسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا