النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

فاطمة يا وردة الروح

رابط مختصر
العدد 10188 الأربعاء 1 مارس 2017 الموافق 2 جمادى الآخرة 1438

رحلت عنا منذ أيام فاطمة جاسم مال الله تلفت من حالة بن أنس (الحورة). ومع رحيلها رحل عنا الحب والفرح والضوء. فاطمة كانت تمثل لنا تجسيدًا حيًا للروح الإنسانية النبيلة. كانت توزع أرغفة الحب للصغير والكبير في غدوها ورواحها، وفي ليلها ونهارها. ومن يزرع الحب ويبذره في كل مكان، ولجميع الناس المحيطين به يجني بالمثل ثمار هذا الحب. فاطمة هي من هذا النوع من الناس من الذهب النادر والخصال الحميدة، التي فيها عبق الحب، والعطاء والتفاني والإخلاص والبذل والوفاء.
رحلت عنا (أم الحورة) كما يلقبها الجميع. وهي تستحق هذا الاسم ذات الدلالة البليغة، فقد كانت أمًا حنونة للجميع. كانت فاطمة تعطي حبها بلا كلل وملل. ما من فرد من أهل الحورة لم تقدم له فاطمة خدمة أو مساعدة. كانت تفعل ذلك بطيبة خاطر وأريحية، فقد منحها الله قلبًا رحيمًا يفيض بالحب. ومن يحب الناس يتفانى بخدمتهم، و(خير الناس أنفعهم للناس).
كانت امرأة في غاية البساطة - ويربط تولستوي تجانس العظمة مع البساطة-. ترسل فاطمة الى جيرانها - حتى سابع جارٍ أطباق الرز مع السمك وأوعية اللبن وقت وجبة الغداء ليستمتعوا بطبخها المميز. وفي الأعراس كانت تدخل على العروسين بطوقين من المشموم والياسمين الذي اجتهدت في شكه وتطوق به العروسين وسط الغناء والفرح كما فعلت معي أنا وزوجتي.
فاطمة تشجع وتحب النادي العربي الذي يجمع شباب الحورة، وتستقبلنا ونحن قادمين في الباص بعد فوزنا في المباريات بجلادات المشموم والياسمين، تتبعها زغاريد جماعية مشتركة من النسوة. ذلك كان زمن جميل تدمع له عيني كلما تذكرته، كما تدمع عيني الآن على فاطمة وردة الروح. يا لروعتك يا فاطمة، وأنتِ تشرأبين جهتنا ونحن في الباص سعداء بالفوز وفرحة أهل الحورة، ونغني:
يا بايع الوردي سوم لي وأنا باشري
سوم لي وأنا بشري وأهدي إلى الأحباب
تطوق فاطمة أعناق اللاعبين بمشك المشموم والياسمين. كان ذلك وقت طيب جميل. فاطمة تختزل كل سمات أهل الحورة، طيبة، رحابة صدر، وجه بشوش، بساطة، مساعدة الآخرين، عواطف جياشة، أخلاق دمثة. كانت مجموعة نساء في امرأة واحدة. أنتِ كل النساء يا فاطمة، يا أمي وخالتي وأختي.
اختزلت فاطمة كل النساء المكافحات الطيبات في الأحياء الفقيرة. لقد توفي زوجها مبكرًا وترك لها ثمانية أولاد في عمر الطفولة، فتولت مسؤوليتهم وتغطية نفقاتهم، وراحت تكدح من أجلهم وتعمل كالنحلة من الصباح حتى المساء. ولم تصرفها هذه المسؤولية عن خدمة الناس. فقد كانت تحمل بين جوانحها قلبًا، رهيفًا، عطوفًا، ومحبة عاتية، غامرة للآخرين. فكانت أمًا للجميع، وامرأة خدومة تسعد بمساعدة كل الجيران، وكل الحارة. آهٍ يا فاطمة يا كل الحب، وكل المودة، وكل الحنان. الموت يا فاطمة لا ينهي الأعمال الطيبة، فالأفعال النبيلة تبقى، وتصبح تواريخ وحكايات تتوارثها الأجيال. ستبقين معنا يا فاطمة في قلب الحورة النابض. كنتِ تواسين الناس في المرض والشدة والأزمات، وتفرحين معهم في الأفراح. كنتِ توزعين علينا عسلك وأزهارك ورحيقك. وتحملين لنا هداياك وعباراتك العذبة للصغير قبل الكبير.
فاطمة رحلت ولن ترحل. سنظل نتخيلها قادمة إلينا من كل الأزقة، وهي تدخل كل البيوت، وتخرج من كل الأبواب بعباءتها وثوبها النشل، بوجه أبيض وضَّاء كالقمر.
سنحكي لصغارنا وأحفادنا كيف كنتِ تبذرين الحب في الهواء من حولك فتتنفسه الأفئدة. كنتِ تجسدين الحب بأفعالك قبل أقوالك. قلتِ لنا: هكذا يا أحبائي يجب أن تعيشوا بالوداد والمحبة، متعاطفين مع بعض، يساعد كل منكم الآخر. تلك هي أعراف المحبة وراياتها. فمن دونها لا يكون للحياة طعم ولا معنى. فاطمة يا وردة الروح، علمتينا نحن الشباب المتعلمين في حالة بن أنس كيف يكون التمازج البشري بين الناس. وكيف يعم التآخي والتآلف بيننا. وقبل أن أفطن يا أمي الحبيبة فاطمة على جوهر هذه الحياة، أذكر وأنا صبي صغير كيف كنتِ ترعينني كولدك. وتهديني ابتسامتك المشرقة وتغمريني بالوداد. كانت فاطمة أكثر الجميع في البذل والعطاء. هكذا كانت تجسد إيمانها بحب الآخرين (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لغيره ما يحبه لنفسه). هكذا أحبت الناس، ومن سوء حظي أنني لم أحظَ برؤية هذه المرأة العظيمة للمرة الأخيرة فقد كنت خارج البلاد.
وقد قيل لي أن مقبرة المنامة اكتظت وفاضت بالناس الذين جسدوا حبهم لها، وهم يودعون امرأة علمتهم كيف يعيشون. فاطمة جاسم مال الله نحن نحبك كثيرًا، ونعدك على أن نحافظ على وصاياك وخصالك ومثلك. ليرعاك الله يا فاطمة، وليلهمنا الله الصبر والسلوان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا