النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

زيارة روحاني والمهمة المستحيلة

رابط مختصر
العدد 10187 الثلاثاء 28 فبراير 2017 الموافق 1 جمادى الآخرة 1438

لم تشهد المنطقة العربية حروبًا أشرس وصراعات أشد مما تمر فيه منذ قيام الثورة الخمينية في إيران عام (1979م) التي تغيّرت معها قواعد اللعبة السياسية في المنطقة، وتغلغلت اليد الإيرانية في عدد من الملفات والأوراق السياسية العربية المهمة وأدت إلى انقسام وعداء طائفي حاد بين السنة والشيعة، وذلك التزامًا منها -إيران- بتصدير مبادئ الثورة التي تؤكد على التمدد الشيعي الذي ليس له حدود، خاصة في دول الجوار الإقليمي، وذلك حسب مضمون دستورها الذي يصرح بأن (جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة لا يتحملان فقط مسؤولية حفظ وحراسة الحدود، وإنما يتكفلان أيضًا بأعباء حمل رسالتها الإلهية وهي الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في أرجاء العالم والعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم)، وذلك كله من أجل تثبيت نظام (ولاية الفقيه) كنظام إقليمي معترف به من قبل المجتمع الدولي وكأحد أسس النظام العالمي الجديد.
في الوقت الذي تبقى فيه (إسرائيل) التي زرعت في قلب الوطن العربي وفق وعد بلفور عام (1917م)، وتسببت في قيام الحروب والصراعات منذ عام (1948م) تمارس سياستها الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية المحتلة بكل سلم وهدوء رغمًا عن إرادة المجتمع الدولي وفي تحد لقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في (ديسمبر 2016م) والقاضي بالوقف الفوري لجميع أنشطتها الاستيطانية.
وفي خضم التوترات السياسية في المنطقة العربية عمومًا ومنطقة الخليج العربي خصوصًا تأتي زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى دولة الكويت وسلطنة عمان في (منتصف فبراير 2017م) لتثير التساؤلات حول الغرض منها وأهداف القيام بها في هذا التوقيت تحديدًا.
ولعلّ في النقاط الآتية تكمن الإجابة:
أولاً: قد تكون الزيارة استجابة لما حملته رسالة سمو أمير دولة الكويت التي سلمها وزير الخارجية الشيخ صباح الخالد إلى الرئيس الإيراني في (25 يناير 2017م)، والتي تمت بعد تفويض (قمة المنامة) في (ديسمبر 2016م) لدولة الكويت لإيصالها إلى القيادة الإيرانية للتعبير عن رغبة دول مجلس التعاون في إقامة علاقات حسن جوار، والدعوة إلى فتح حوار (خليجي إيراني) قائم على الشراكة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس. إلا أن المتعارف عليه في الأصول والأعراف الدبلوماسية في مثل هذه الحالة هو أن يكون مستوى الرد بمستوى الاستلام، ما يعني أن يقوم (وزير الخارجية الإيراني) بتسليم خطاب الرد إلى سمو أمير دولة الكويت، لا أن يقوم (الرئيس) بمثل تلك الزيارات الرسمية!
ثانيًا: قد تكون الزيارة تعبير عن رغبة القيادة الإيرانية في التأكيد على مدى اهتمامها بتطوير علاقاتها مع دول مجلس التعاون، فإذا كان ذلك هو هدف الزيارة فإن الأصول والأعراف الدبلوماسية تقتضي أن يبدأ الرئيس بزيارة الدولة التي استلم منها الرسالة، فيبدأ بزيارة دولة الكويت أولا ثم سلطنة عمان لا العكس!
ورغم كل ذلك، تبقى لهذه الزيارة أهمية كبرى لتوقيتها الذي جاء في فترة بالغة الصعوبة لما يشهده العالم من تطورات خطيرة تهدد دول الإقليم دون استثناء، ولما لها من انعكاسات مهمة على العلاقات الخليجية الإيرانية ستظهر نتائجها في القريب المنظور، فالزيارة في إطارها العام المفاجئ وغير المتوقع ستكون لها نتائج مفاجئة وغير متوقعة إما سلبًا أو إيجابًا.
وبحكم عملي السابق كوكيل للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون بوزارة الخارجية ومسؤول عن الملف الإيراني، ومن واقع خبرة في كيفية إدارة إيران لسياستها الخارجية التي يديرها في الواقع الحرس الثوري التابع مباشرة للمرشد الأعلى خامنئي وليس وزارة الخارجية، يمكن تحليل مواقفها وتحركاتها على النحو الآتي:
أولاً: بسبب التغيير الشامل في السياسة الأمريكية الجديدة، والدعوات التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب لإعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني الذي يشكل تهديدًا مباشرًا على الأمن الإسرائيلي، وتعيينه شخصيات معادية لإيران في مناصب أساسية كوزير الخارجية الذي يدعو إلى مراجعة الاتفاق بشكل كلي، فإن أبرز ما تخشاه إيران هو قيام (تحالف خليجي أمريكي) أساسه المصالح المشتركة بين الطرفين وليس قضايا حقوق الإنسان.
 ثانيًا: محاولة اختراق الموقف الخليجي المتشدد لفتح قنوات جديدة للحوار السياسي مع السعودية عن طريق الكويت، وذلك لتقريب إيران من دول مجلس التعاون، خصوصًا وأن (السعودية والإمارات والبحرين) تشكل تحالفًا خليجيًا صلبًا وقف أمامها بقوة وحزم عند تدخلها في شؤون البحرين الداخلية وتسببها في إثارة الفوضى والنعرات الطائفية ودعمها لأعمال العنف والإرهاب وتمويل العديد من الفضائيات التي تهدف إلى إثارة الصراع الداخلي، وقيامها بتقديم الدعم المادي والعسكري للميليشيات الحوثية في اليمن وما ينعكس عن ذلك من توتر الأوضاع في المنطقة.
ثالثًا: خشية إيران من الدور التركي المتعاظم في منطقة الخليج، والذي بدى من خلال العلاقات التركية القوية بالمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، وترجمته الزيارات الأخيرة للرئيس رجب طيب أردوغان، والقلق الإيراني من تشكيل تحالف (سني خليجي تركي) يقف حجرة عثرة أمام تمدد إيران ويمنع تحقيقها لأطماعها في منطقة الشرق الأوسط.
رابعًا: إن تقرب إيران نحو دول مجلس التعاون واستعدادها لتقديم التنازلات للحيلولة دون تقليص دورها الإقليمي في المنطقة، ليس سوى تحرك مؤقت قد يتغير في أية لحظة بالتزامن مع أي تطورات تتوافق ومصالحها.
وعلى أساس تلك التحركات الإيرانية والنوايا التي تختبئ ورائها، يجب على دول مجلس التعاون أن تتخذ موقفًا متشددًا مع إيران قبل الدخول في أي حوار سياسي معها، وذلك بالضغط عليها لتنفيذ المطالب الآتية لإثبات حسن النوايا:
1. الحصول على الموافقة الصريحة والموثقة على إحالة قضية (الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) إلى محكمة العدل الدولية فورًا.
2. الوقف الفوري للدعم المادي والعسكري الذي تقدمه إلى الميليشيات الحوثية في اليمن.
3. الاتفاق على إطار خاص لبحث الحدود البحرية، خاصة النقاط البحرية (1 - 2) مع المملكة العربية السعودية و(3) مع دولة قطر.
4. تعهد مكتوب يصدر كوثيقة دولية يتم توثيقها في الأمم المتحدة تنص على التزام إيران بإقامة علاقات حسن جوار مع دول مجلس التعاون مبنية على أسس وثوابت ميثاق الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومبادئ القانون الدولي الخاص في العلاقات بين الدول، مع عدم التدخل في شؤونها الداخلية إطلاقًا.
وحيث إن تنفيذ بعض تلك المطالب هو ضرب من المستحيل، سيبقى أمر تطوير العلاقات (الخليجية الإيرانية) يسير في الاتجاه المعاكس، لأن الانتهازية السياسية الإيرانية التي حملها الرئيس روحاني هي التخلي عن دعم الحوثيين في اليمن خصوصًا وأنها ورقة سهلة التنفيذ ولن تكبد إيران خسائر كبيرة حين المقارنة مع ما ستخسره في حال ثباتها على الموقف الداعم لهم.
إلا أن العلاج الجذري لتوتر العلاقات الخليجية مع إيران يكمن لا محالة في ضرورة توقفها الفوري والجدي عن التدخل في شؤون البحرين الداخلية الذي يتجدد يومًا بعد يوم ودعمها للإرهاب ولكل ما يربك الأوضاع الأمنية ويضرب في الوحدة الوطنية.
إن تنفيذ هذا الأمر بحد ذاته سيبرهن على جدية إيران ورغبتها الصادقة في الاستجابة لما ورد في الرسالة الخليجية التي بعثت لها عن طريق الكويت، ليتحقق الحلم في بناء جسور الثقة والتفاهم والتعايش الدائم وخلق أجواء للتعاون الاقتصادي والتجاري وتبادل المصالح المشتركة... إنه حلم ليته يتحقق!

] المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا