النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

العرب وتوقعات «توينبي»

رابط مختصر
العدد 10181 الأربعاء 22 فبراير 2017 الموافق 25 جمادى الأولى 1438

تنبأ المؤرخ البريطاني ذائع الصيت «أرنولد توينبي» (1889- 1975) بقرب اتحاد العرب، في كتابه «بين النيجر والنيل» الذي ترجم إلى العربية بعنوان «الوحدة العربية.. آتية».. الكتاب، كما جاء في حديث د. محمد الرميحي رئيس تحرير مجلة «العربي» في عدد سبتمبر 1982، يحتوي مجموعة من المقالات بخصوص الوحدة العربية، نشرها توينبي بعد عدة جولات قام بها في بعض الأقطار العربية، وهو «يتنبأ خلال دراسته العميقة لأوضاع العالم العربي، ومن خلال معرفته بحركة التاريخ، بأن الوحدة العربية في الطريق، وبعد أن عقد مقارنة بين الأحداث التاريخية التي أدت إلى الوحدات الأوروبية المختلفة خلال القرن التاسع عشر، وبين ما يتوقعه لتحقيق الوحدة العربية».
وأضاف د. الرميحي أن توينبي توصل إلى نتيجة تقول «إنه إذا أنجز العرب وحدتهم بنفس معدل الوحدات الأوروبية، فستتحقق الوحدة العربية في عام 1974، ولا يمكن حتى لألد العرب أن يضمن أن وحدتهم لن تكون قد أنجزت في ذلك التاريخ». ويبدو أن توينبي قد حدد هذا التاريخ، يضيف د. الرميحي «قياسًا على الوحدتين الإيطالية والألمانية، اللتين تحققتا خلال ستة وخمسين عاما. واعتبر أن نقطة البدء في العمل العربي من أجل الوحدة قد بدأت عقب الحرب العالمية الأولى، وتمضي الأيام ويمر عام 1974 مثل غيره من الأعوام، ونتجاوزه بسنوات عديدة، ويبقى موقف ووضع العرب من الوحدة أبعد مما كان عليه عند صدور هذا الكتاب».
كان إيمان العرب طاغيًا بفكرة الوحدة، وبخاصة في أوساط النخبة الثقافية، ويقول فيصل العظمة عام 1948 ما يلي: «نحن العرب أمة واحدة فيجب أن نؤسس دولة واحدة. نحن العرب أعرق أمة. سدنا العالم دهورًا طويلة، ونشرنا أعلامنا ما بين الصين وفرنسا، وفتحنا القلوب والحصون. ونحن اليوم يجب أن نعيد مجدنا الماضي، نريد وحدة عربية يستوي فيها أمام الحق المسلم والمسيحي، والإسلام هو روح العروبة، هذا المبدأ الممتزج بدم العرب ولحمهم: مسلميهم ومسيحييهم، بمن يفاخر العربي المسيحي، هل يفاخر بغير أبطال العرب، وهل يتكلم غير لغة القرآن، القومية العربية هي رغبة العرب في إيجاد دولة واحدة تسهم في بناء الحضارة الإنسانية». [الأدب العربي الحديث في معركة المقاومة والحرية والتجمع 1830- 1959، أنور الجندي، القاهرة 1959، ص 534].
أفكار فيصل العظمة كما هو واضح، حملت بعض بذور الجدل والصراع القومي - الديني الذي اشتعل مع انتشار الإسلام السياسي.
لماذا فشلت جهود العرب الوحدوية، كما جاء في مقال د. الرميحي حيث «لم تعد الأوضاع في الوطن العربي اليوم بعيدة عن الوحدة فحسب، بل بعيدة عن الحد الأدنى من التنسيق بين أقطاره، وتكاد تقضم أطرافه أو بعضا منها قضمة وراء قضمة، وبقية الجسم العربي يتململ، ولكنه لا ينتفض، ويدفع الخطر بعيدا عنه» ثم يضيف: «لقد اختلف العرب خلال الأعوام العشرة الأخيرة في اجتهاداتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما لم يختلفوا من قبل، وحتى جدول الأولويات الذي يحدد أعداءهم وأصدقاءهم على المستويين الإقليمي والدولي لم يصلوا فيه بعد إلى معيار ثابت. ومن هنا تأتي أهمية المطلب المتواضع الجديد، وهو ليس الوحدة العربية - ذلك الأمل العزيز الغالي على قلوب العرب - وإنما الاتفاق فقط على قدر من التضامن العربي يمنع استمرار التدهور العربي أكثر مما هو عليه الآن».
يقول الباحث المعروف جميل مطر في عام 1980 ضمن ندوة عقدت في بيروت، وكان د. الرميحي من المشاركين فيها، شارحًا بعض أسباب تعثر الفكرة القومية:
«منذ بداية الحركة القومية وحتى منتصف الستينيات كانت الفكرة المسيطرة على القوميين العرب والنظم العربية المنتمية أيديولوجيا للقومية العربية هي الوحدة السياسية، وأدت الخلافات السياسية التي نشبت في ذلك الحين، إلى تعطيل التفكير في التكامل الاقتصادي بل وفي كل أبعاد العمل العربي المشترك على المستوى التنظيمي والحكومي».
[القومية العربية في الفكر والممارسة، مركز دراسات الوحدة العربية ص 494].
لماذا تفاءل المؤرخ توينبي صاحب الدراسات الحضارية العميقة، إلى هذا الحد، وتوقع اقتراب الوحدة العربية «بتلك السرعة»؟ ربما من باب التعاطف مع العالم العربي والعالم الثالث الذي تجول فيه، وزيارته لمصر والتعاطف مع العرب، وربما حبا في أن يرى «نهاية وحدوية» لحركة قومية كبرى في العالم الثالث.. أسوة بإيطاليا وألمانيا.
شارك توينبي في الحياة السياسية البريطانية مبكرا على الصعيد الرسمي، حيث شارك ضمن الوفد البريطاني في مباحثات السلام في باريس بعد الحربين العالميتين، أما شهرته كمؤرخ فتقوم طبعًا على مؤلفاته الكثيرة وعلى رأسها 12 مجلدا بعنوان «دراسة في التاريخ»، صدرت ما بين 1934 - 1961.
وقد حلل في هذه المجلدات تاريخ الحضارات التي حصرها في 26 حضارة، درس صعودها وسقوطها وفق نظريته في «التحدي والاستجابة». ويقول بعض الدارسين إن توينبي «ينكر قيام التاريخ على فلسفة قدرية، ويعرض نظريته القائلة بأن مجرى التاريخ تضبطه وتسيره قوى نفسية أكثر منها قوى مادية»، ومن هنا ففلسفته قد تعد النقيض للماركسية ونظرية «المادية التاريخية» التي تقوم عليها.
والمؤرخ توينبي ابن أخ مؤرخ ومصلح إنجليزي آخر بنفس الاسم توفي في مقتبل الشباب عام 1883 عن 31 سنة، إلا أنه ترك مثل ابن شقيقه اللاحق المؤرخ توينبي صاحب «دراسة في التاريخ»، تأثيرًا عميقًا في تلاميذه ومعاصريه.. في الشرق والغرب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا