النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

بوت المطر

رابط مختصر
العدد 10181 الأربعاء 22 فبراير 2017 الموافق 25 جمادى الأولى 1438

البحرينيون أبدعوا عندما هطلت علينا أمطار الخير، فإذا ماء السماء يغرق الشوارع والطرقات والحواري والفرجان، ولا يكاد يخلو بيت من الخرير من جهة السقوف أو النوافذ أو الأبواب، فقد فاجأ المطر الجميع في مثل هذا الوقت من العام، وعادة البحرينيين أن يستبشروا لمطر الوسم، فهو الذي يضفي على البر الخضار وينبت بالطبيعة خيرات الأرض من النباتات البرية التي تشتهر بها البحرين ناهيك عن «الفقع» نبات الكمأة الذي يكحل البحرينيون أعينهم برؤيته ويسعدوا بالحصول عليه.
أقول أبدع البحرينيون، فظهرت روح الدعابة عندهم وأبرزوا خفة الدم والتعليقات الظريفة، وقدرتهم على التصوير بأبعاده الثلاثية أو الرباعية، وقاموا بالتشكيلات الفنية باستخدام تقنيات الكمبيوتر ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وبقدر تعاطفنا مع أولئك الذين اقتحم ماء المطر عليهم منازلهم فأغرق الأثاث وممتلكات المنزل إلا أن الرضا بالقضاء والقدر، وتبركهم بماء المطر جعلهم ينسون إلى حين ما لحق بهم، وإذا بنوابنا وبلدينا يعدون الاستمارات ويعلقون بأصواتهم واستعدادهم للمساعدة ودفع الضرر عن من تضرر، وتركوا اتصالهم المباشر مع البلدية والأشغال للنظر في إمكانية شفط المياه أو تسليك المجاري والتخلص من البرك التي تحيط بالبيوت من كل جانب، وهنا تذكرت جاري العزيز الراحل الفنان عباس المحروس الذي كان يرحمه الله يتبرع بإزالة غطاء المجاري في فريجنا لكي يسير الماء طبيعيًا دون عوائق، فقد كان يرحمه الله حريصًا على راحة جيرانه وتقديم ما يستطيع من عون لمساعدتهم وإزالة الأذى عن الأطفال وهم في طريقهم إلى المدارس وهي كانت من شيم الرجال في فرجاننا وحوارينا، الذين كانوا يأخذون على عاتقهم مساعدة جيرانهم والتخفيف عنهم في مثل هذه الحالات المستعصية.
نعم جاء المطر بخيره ليضفي على الوطن البهجة ويترك أجمل الذكريات وينبري البعض ليقول لهم لم نشهد مثل هذا في زماننا، بينما يرد عليه الآخر: لا يا أخي لقد شهدنا أكثر من ذلك ولكن الفرق أن الأرض يومها برمالها وأحجارها كانت تمتص الماء وتجعله ينساب طبيعيًا صافيًا، نقيًا، أما الآن فالشوارع مسفلتة والماء اختلط ببعض مخلفات ما تقذف به السيارات من زيت وديزل وربما أشياء لا ترى بالعين المجردة، وهل كنا نتصور ماذا كان يعمل أجدادنا وآباؤنا الذين كانوا يسكنون في «الكبر» و«البرستي» و«العريش» وربما الحجرات المبنية من طين الرفاع، وكيف كنا ونحن صغارًا نتعامل مع المطر والبرد باستخدام بوت المطر الذي يجلب إلينا من الهند أو من شبه القارة الهندية، ونتدثر «بالخيش» ليقي ملابسنا من ماء السماء، وكيف كنا نجمع ماء المطر ونخزنه لحين الحاجة إليه في الغسيل، وكيف كنا نحرص على البرد، اعتقادًا منا أنه قد يسهم في عدم إنبات الشعر وعادات ومعتقدات علميًا لم تثبت صحتها ولا أحد تبرع أن ينفي ما نعتقد.
وكان البرد بالنسبة لنا عطاء لا يقدر بثمن من السماء والتي هي من صنع الخالق جلت قدرته، فيجعله شفاءً من كل داء.
البحرينيون صوّروا هذه اللحظات الجميلة، وأعتقد لو أن هيئة البحرين للثقافة والآثار أقامت معرضًا للصور الفوتوغرافية لهذه اللحظات من تصوير المواطنين الهواة أو من أولئك المصورين المحترفين لخرجنا بمعرض فني للتصوير الفوتوغرافي أكثر من رائع فمن عادة البحرينيين البناء وتجاوز السلبيات والاستفادة الإيجابية من الظروف التي تمر بهم، فالمطر خلق ظرفًا جميلاً بالإمكان أن نسجل من خلال الصور مرحلة مهمة من تاريخنا المعاصر، ولتبقى الذكرى محفورة في الذهن لأجيال تأتي فيكون ذلك شاهدًا على العصر.
ورغم السخرية اللاذعة أحيانًا إلا أننا لابد أن نأخذ ذلك بالنية الصافية لدى البحريني الذي إن غضب فسرعان ما يستعيذ بالله ويقبل ويبدي استعدادًا للتعاون وبذل الجهود من أجل مساعدة الآخرين.
جاء المطر فأثار في نفوسنا شؤونًا وشجونًا، وتذكرنا «الدكاك» وهو اللباس الداخلي الذي يقينا برد الشتاء وبالمقابل «المنقلة» أو على رأي أخواننا الكويتيين «الدوه»، وتذكرنا أيضًا «المرازيم» وكيف كان من خلالها ينساب الماء من على سطوح المنازل، وتذكرنا أيضًا «النقع» جمع «نقعة» وكيف كانت مرتعاً للأطفال، الأولاد والبنات والتفنن في الخوض فيها واستخدام الألعاب المسلية، مع صراخ الأهل بأن لا نلوث ملابسنا وندخل عليهم ونحن مبتلين فنضاعف ما كانوا يعانون منه في المنازل. كانت أخبار المطر بين البحرينيين تغطي على ما عداها من أخبار سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو رياضية، بل كان المطر هو سيد الموقف، وهو من الأخبار التي يسميها الإخباريون «العاجلة» وكان إخوتنا الخليجيون أيضًا اهتموا بالمطر عندهم وعندنا وأصبحنا جميعًا شركاء في تبادل الصور والتعليقات والظرافة بل إن صديقي من الكويت قال لي: «يا أخي نحن عندنا السماء مغيمة ولا مطر وأنتم ما شاء الله عندكم مطر كثير جدًا وهنا تذكرت أننا كمجلس تعاون عندنا والحمد لله تكامل، ولعل المطر يذكرنا بهذا التكامل الذي نحرص عليه وإن شاء الله نسير فيه إلى غاياته وأهدافه المنشودة».
يظل المطر عطاء السماء وعطاء الخالق جلت قدرته، ونظل نحن نأمل ونحلم بالمطر ونتفاءل به الخير وبعد أن تزول إن شاء الله الأضرار ستدركون كم هي صافية سماء البحرين، وكم النخيل يانعًا وسعفاته خضراء لا غبار يغطيها، وستجدون الأشجار خضراء اللون، وستجدون البر يحمل لكم بشارة «النوير» و«الحوى» و«العاجول» و«الشيح» و«الطرثوث» وربما «الفقع».
وعلى الخير والمحبة نلتقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا