النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

إن لم تنفع.. فضر!

رابط مختصر
العدد 10174 الأربعاء 15 فبراير 2017 الموافق 18 جمادى الأولى 1438

العديد ممن درسوا ثقافتنا العربية من الغربيين يتهموننا بالميل إلى المبالغة والتضخيم في وصفنا للأشياء والمشاعر.. حبًّا أو نفورًا، إعجابًا أو كراهية! فهل هذا نحن؟

كل لغات البشرية تحتوي غالبًا على صيغ التفضيل، فيقال: كبير، أكبر، الأكبر، غني، أغنى، الأغنى، عظيم، أعظم، الأعظم.. وهكذا. أما اللغة العربية، ففي أساليب بلاغتها صيغة تدعى «صيغة المبالغة».. لست واثقًا مما إذا كانت موجودة بهذه القوة والرسوخ في لغات أخرى، إذ لا تحتوي اللغة العربية على صيغة أو اثنتين من «صيغ المبالغة»، بل كما يقول «المنجد»، يبلغ عدد أشهر هذه الصيغ نحو 15 صيغة! فنحن نقول مثلاً: عالم،

ونقول: أعلم والأعلم. وإذا أردنا إبداء إعجابنا الشديد وصفناه بأنه «علامة». فهل يمكن اشتقاق مثل هذه الكلمة من كلمتي «Scince وKnowledge مثلاً؟ وقد نقول: جاهل وأجهل والأجهل، ولكن هل في الفرنسية والألمانية وصف ممعن في تشخيص الحالة مثل «جهول»، مشتق من نفس الكلمة؟

ونقول: كاذب وأكذب والأكذب.. ونقول في صيغة المبالغة: «الكذوب» على وزن فعول.. فهل هناك مقابل في لغات أخرى من نفس الجذر؟

ومعظم صيغ المبالغة منحازة للذكور، لكن بعضها مؤنثة، مثل «راوية»، وأوزانها متنوعة مثل: فعال، ومفعال، وفعيل مثل سكير، ومفعيل مثل مسكين، وفعل مثل شره، وفعول مثل كذوب وودود.. إلخ.

وصيغة المبالغة ثراء للغة بلا شك، إذ نقول عن شخص إنه فاضل، وإن الآخر أفضل منه، والثالث هو الأفضل، كما هو الأمر في عدة لغات، لكننا نقول كذلك: «مفضال». وهكذا ضروب وعليم ومعطاء. وفي الآيات 10 و11 و12 من سورة القلم عدة صيغ: «ولا تطع كل حلاف مهين * همّاز مشاء بنميم * منّاع للخير معتدٍ أثيم».

وكان بعض المؤلفين والعلماء يوصفون قبل سنوات على أغلفة الكتب والتراجم، بأنه «العالم الفهامة» أو «الكاتب النحرير». يقول المنجد: «نحر الأمور علمًا أي أتقنها، والنحرير: الحاذق الفطن، العاقل، وقيل العالم بالشيء المجرب، بمعنى أنه ينحر العلم نحرًا. أما المنحار، فهو المضياف كثير النحر»!

وكان النحر في ثقافتنا من متعلقات حسن الضيافة والكرم، و«النحر» اليوم مما يرتبط بالبطش والإرهاب و«داعش»!

والمبالغة، قد تكون من أدوات العمل السياسي ومستلزماته! ويقال إنها أهم مظاهر الحياة في الوسط الإعلامي الحي. ومن أسلحتها الإشاعة، وتضخيم سلبيات المنافس، وتقليص عيوب المرشح. وبالطبع من صميم المبالغة، إعطاء الناخبين الشمس بيد والقمر باليد الأخرى! لذلك يقال إن نصف حياة بعض الساسة اختلاق المبالغات والنصف الآخر تبرير الأخطاء ونواحي الفشل في عمله السياسي.

ومما يلاحظ في المبالغة أنها قد تكون وليدة شعورين متناقضين كالحب العميق والكراهية الشديدة، فكلاهما يخرجان الإنسان من الموضوعية ويجعلانه يصدق كل شيء!

فما أندر الشخص الذي يستطيع أن «يزن أخطاء من لا يحب.. دون أن يضع إبهامه على الميزان»! ولا شيء يزيد من حجم السمكة في حديث الصياد مثل اصطيادها!

دارسو المجتمعات العربية يتهمون الثقافة العربية بأنها تفتح المجال واسعا للمبالغة. ومن هؤلاء عالم الاجتماع الأمريكي «رفائيل بطاي» Raphael Patai، المعروف بكتابه الواسع التداول «العقل العربي» (the Arab Mind)، الذي تتوالى طبعاته منذ عام 1973، وهو كتاب نقدي لاذع يكتفي مترجمونا بمهاجمته والإساءة لمؤلفه اليهودي، والأولى بنا أن نبادر إلى ترجمته ترجمة أمينة، أرشح لها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، مع مقدمة رصينة ونقد علمي، ومناقشة موضوعية للكتاب، وبخاصة أنه ليس خاليًا من الموضوعية والنقاط بالغة الأهمية.

ويرى «بطاي» أن المحادثة العربية تعاني من أساليب المبالغة والتوكيد وتكرار الكلام والمعاني، وقد يكون له باب واسع لإثبات ذلك في شعر المديح والفخر والهجاء! وكان أحدهم إذا لم يجد من يهجوه، مثل «أبي دلامة»، قام بهجاء نفسه! ولا أدري إن كنا نجد في الشعر الإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني مثل هذه الأبواب! لكننا نجد بعضه أو الكثير منه في الأدب الفارسي، وربما بقية الآداب المجاورة كالتركية والأوردية والكردية مثلاً.

وفي ثقافتنا الأدبية أن «الشعر أعذبه الكذوب»، بل هناك دعوات طريفة من قبيل قول الشاعر النابغة الذبياني، وقيل غيره:

إذا أنت لم تنفع فضر، فإنما..... يراد الفتى كيما يضر وينفع

والإضرار المقصود إنما بالعدو، أو «رد كيد العدى». ولا يخلو شعر الهجاء من طرافة في مبالغة التشنيع، كقول الشاعر في هجاء أحد البخلاء:

إذا كسر الرغيف بكى عليه.... بكا الخنساء إذ فجعت بـ«صخر»

ويروي «صادق نشأت» في كتابه حول الطرائف أنه «في شارع جديد في باريس، افتتح أحد الخياطين محلاً علق على واجهته لوحة كتب عليها: «أحسن خياط في باريس»، وفتح ثاني محل في نفس الشارع كتب عليه: «أحسن خياط في فرنسا»، وجاء ثالث فكتب: «أحسن خياط في العالم، وجاء رابع فواجهته مشكلة ماذا يكتب؟ وأخذ يفكر طويلاً حتى انتهى أخيرًا إلى الحل، فقد كتب: «أحسن خياط في هذا الشارع».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا