النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

فإن أحسنت فأعينوني

رابط مختصر
العدد 10160 الأربعاء 1 فبراير 2017 الموافق 4 جمادى الأولى 1438

رحم الله أبي بكر عبدالله بن أبي قحافة القرشي، الصديق الخليفة الأول الراشد رضوان الله وسلامه عليه، حينما أطلق في خطبته الأولى بعد توليه الخلافة بعد وفاة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: «يا أيها الناس إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».
ما أحوجنا في زماننا هذا للمصارحة والمكاشفة، والاستماع إلى الصغير والكبير فالإنسان يقاس بعمله، وبالعقل المدبر لهذا العمل، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وقديما قيل في موروثنا: «الشر يعم والخير يخص» ولو تأملنا في ذلك لوجدنا للأسف الشديد إن الآفة التي أصابت الأفراد والأمة إنما هو بفعل عناصر الشر المتطايرة حولنا سياسية واقتصادية واجتماعية، وهناك من هو مستعد للنفخ في هذه العناصر المتطايرة، ونوعية من البشر غايتهم النفخ وتأجيج النار، ربما جهلا أو حماقة أو أهدافا بعيدة المدى غايتها تقويض الأمة وإضعافها والنيل منها.
والحذر من هؤلاء واجب، والتصدي لمؤامراتهم ودسائسهم وألاعيبهم حتمي ومسؤولية المقاومة تقع على الجميع، فليست الأمة بناقصه حتى يأتي من يقطع الأوصال ويجتث العلائق الإنسانية بين البشر فقد يأسنا من إصلاح أحوالهم وإسداء النصح لهم والصبر عليهم، والسكوت ربما عن زلاتهم وأخطائهم، وآن الأوان أن نعي أين تكمن مصلحتنا، وما هي وسائل حماية مجتمعنا والوقوف صفا لكل من يريد زعزعة أمننا واستقرارنا ولحمتنا الوطنية، ويعبث بمقدراتنا ويسيء إلينا وإلى مستقبل أجيالنا.
نعم قد نصيب في عملنا ويوفقنا الله لبلوغ أهدافنا بأصعب السبل، وربما بأسهل السبل، ونبني ونعمر، ونعيش في رضا نفسي مع أنفسنا ومع الآخرين، عندئذ فلنحمد الله أن من علينا بنعمة التوفيق.
وعلى النقيض قد لا نوفق في عملنا وقد يصيبنا الخطأ والنسيان، ونتعثر فلا نقوى على المضي قدما في مشاريعنا ومخططاتنا، ونخفق في الوصول إلى أهدافنا المبتغاة، عندئذ علينا أن نشكر الله ونستغفره خصوصا إذا أدركنا نقصنا وقلة حيلتنا والأمور السلبية التي وقفت في طريقنا، لأن الفشل في الأولى قد يكون طريقًا موصلاً للنجاح والتوفيق في الثانية شريطة أن نقاوم ونستجمع كل قوانا للنهوض من الكبوة، وتجاوز سلبيات ما وقعنا فيه، وليس اعتباطًا عندما قيل «لكل جواد كبوة ولكل حسام نبوة ولكل حليم هفوة» وهلما جرا، وعندما نعلم ذلك علم اليقين فإننا بالتأكيد سنكون قادرين على دراسة ما وقعنا فيه، والانكباب على دراسته والتعمن فيه.
إننا إخوتي بحاجة إلى فهم قدراتنا وإمكانياتنا، بل إننا بحاجة لمعرفة نفوسنا وشخصياتنا وملكاتنا ومواهبنا والقوى الكامنة فينا، قبل أن نعرف قدرات وإمكانيات وملكات ومواهب وقوى الآخرين، خصوصا ممن يشاركوننا ويتقاسمون اللقمة معنا..
هل تأملتم يومًا في عادات وتقاليد تمتع بها مجتمعنا البسيط في تعاطيه للمسائل يوميا وفي مناسبات يمر بها الوطن؟ أتخيل أنكم في زماننا تفتقدون ذلك إذن عودوا قليلا إلى ذلك الزمن الجميل. ألم تقم الجدة أو الوالدة بتجهيز الطعام ووضعه في الأطباق المناسبة وتأمركم بحمله إلى الجيران، ربما أسبوعيًا وطوال شهر رمضان ليذوقوا طعام جيرانهم ويكون بينهم مودة ومحبة أو كما يقال على ألسنة الأخوة المصريين «عيش وملح» وهي عادات وتقاليد وموروثات من ثقافتنا وتعاليمنا الدينية ومن السيرة النبوية العطرة «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع». بل ربما ذهب الحال بهم إلى أنهم يؤمنون بأن من حق الجار أن ينال حظًا مما أفاء الله به عليهم، ثم إن الحكمة من هذا هو أن يعودونا ونحن صغار على الإيثار وأن نعتز نحن بما نقدم للآخرين، وهي قيم اجتماعية على بساطتها لكنها في بعدها القيمي تتجاوز الأمور البسيطة إلى أبعاد عميقة الجذور، ألم تسمعوا بأولئك الرجال الذين عندما يغيب أحد جيرانهم أو معارفهم عن أداء الصلاة الجامعة في المسجد يقومون بزيارته في منزله والاطمئنان عليه خشية من أنه أصيب بمكروه أو حال دون قدومه أمر حز في نفسه وكدر خاطره، فيأخذون بخاطره ويبدون له المودة ويعبرون ولو بصمت عن حبهم له وتعلقهم به أخًا وصديقًا وجارًا عزيزًا.
ألم تسمعوا بقصص تدخل الجيران لإصلاح البين بين المتخاصمين، بل ذهبوا بعيدًا في الأخذ بيد المخطئ وهدايته إلى الصواب. لم يعرفوا مراكز الشرطة، وكان من غير المألوف أن يلجأ جارهم إلى الأمن ليأخذوا حقه، لأنهم آمنوا برسالتهم وواجبهم ومسؤوليتهم تجاه أخوة لهم في القرية أو المدينة، وآمنوا بأن مراكز الشرطة ورجال الأمن مسؤوليتهم أكبر وأخطر في المحافظة على السلامة الوطنية وإشاعة الأمن والاستقرار فكان الاحترام والتقدير لهؤلاء وهذا والحمد لله ما حافظنا عليه وتمسكنا به ونحرص على ديمومته، فهم الأمناء والمكلفون بحمايتنا والساهرون على مصالحنا جزاهم الله خيرًا للأعمال الوطنية التي يقومون بها.
نحن بشر ومن طبيعة البشر الخطأ لكننا أيضا من واجبنا أن لا نسكت عن الأخطاء بل نسعى لإصلاح ما وقعنا فيه والاستفادة من التجربة لنبني للمستقبل نحتاج إلى الصراحة وإن كانت قاسية ونحتاج للمكاشفة وإن كانت صادمة ولكن أهدافنا بعيدة وغاياتنا بإذن الله سامية، ولنكن جميعا على استعداد لأن نقول بملء فينا: «إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا