النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

صباح الخالد والمهمة المستحيلة

رابط مختصر
العدد 10159 الثلاثاء 31 يناير 2017 الموافق 3 جمادى الأولى 1438

فوضت دولة الكويت في (قمة المنامة) الأخيرة بتسليم رسالة خليجية إلى القيادة الإيرانية تعبر دول مجلس التعاون من خلالها عن رغبتها في إقامة علاقات حسن جوار مبنية على أسس وثوابت ميثاق الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومبادئ القانون الدولي الخاص في العلاقات بين الدول وتتضمن الدعوة إلى فتح حوار خليجي إيراني جديد قائم على الشراكة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس، وقد حمل الرسالة الخليجية إلى طهران يوم الأربعاء الماضي وزير خارجية دولة الكويت الشيخ صباح الخالد، إلا أنه يغلب على مثل هذه الزيارات الرسمية الطابع البرتوكولي وتنتهي عادة بعبارات فضفاضة تعبر عن الرغبة في إقامة علاقات صداقة بين الجانبين دون الاتفاق على الآلية العملية الواضحة لتنفيذ تلك الرغبة.
ورغم ما واجه رسالة قادة دول المجلس من خلاف على محتواها الذي برز امام الفضائيات العربية والدولية التى كانت تتقل على الهواء مباشرة وقائع الجلسة الختامية في قمة المنامة، إلا أن كثيرًا ما تتناقل وكالات الأنباء أخبار استدعاء وزارات الخارجية الخليجية للسفراء الإيرانيين أو القائمين بأعمال السفارات الإيرانية في دول الخليج، وتسليمهم مذكرات احتجاج رسمية على خلفية تصريحات مستفزة معلومة المضامين والأهداف صادرة عن علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية أو غيره من كبار القيادات الإيرانية.
وكثيرًا ما تتضمن مذكرات الاحتجاج إشارات وعبارات دبلوماسية تنتقي بحذر شديد لتؤكد بأن (... تصريحات القيادات الإيرانية تعد تدخلاً سافرًا في الشأن الخليجي الداخلي، وتعديًا مرفوضًا على سيادة واستقلال دول مجلس التعاون، فضلاً عن كونها تمثل انتهاكًا واضحًا لمبادئ الأمم المتحدة....).
ويعيدني هذا الأمر، إلى الفترة التي كنت فيها مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن هذا الملف الحساس جدًا بحكم عملي السابق كوكيل للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون بوزارة الخارجية في فترات مهمة من تاريخ مملكة البحرين وتاريخ الخليج عمومًا، حيث قمت مرارًا باستدعاء القائمين بأعمال السفارة الإيرانية الذين تعاقبوا على هذا المنصب، وكان ذلك يتم أحيانًا في أوقات متأخرة من الليل لتسليمهم مذكرات الاحتجاج وطلب تفسيرات حول التصرفات الإيرانية العدائية المستمرة ضد البحرين والتصريحات المستفزة والمعادية التي يدلي بها قادة النظام الإيراني مثل آية الله خامنئي الذي يعد أعلى سلطة في الجمهورية الإيرانية، والرئيس حسن روحاني، والسيد علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى، إلى جانب عدد كبير من رجال الدين وقادة الحرس الثوري المقربين من النظام، وهو أمر لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات بين الدول بأن تسخر فيه دولة قادتها السياسيين والعسكريين والبرلمانيين والإعلاميين للإدلاء بمثل تلك التصريحات العدائية.
ورغم ذلك فإن من يمثلون السفارة الإيرانية في مملكة البحرين كانوا غير مكترثين بموضوع الاستدعاء بقدر اهتمامهم بطلب تسهيلات لمصالحهم الشخصية كمنح تأشيرات لدخول للمدرسين الإيرانيين للعمل في المدرسة الإيرانية المغلقة في الأساس، ولا تتعدى كلماتهم تقديم المبررات الواهية دون الوعود الواضحة والصريحة لاحترام مبادئ حسن الجوار والالتزام بعدم التدخل في شؤون البحرين الداخلية.
ويثير ذلك التساؤل حول جدوى رسالة صباح الخالد في ظل عدم الاكتراث بها وعدم التجاوب مع مضمونها!! ومدى إمكانية استعداد نظام ولاية الفقيه الإيراني بالتخلي عن مبادئ ثورة الخميني لتصدير الثورة!! والتحرك الحقيقي لإقامة علاقات صداقة خليجية إيرانية أساسها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
للأسف لا يبدو بالأفق المنظور شيء من ذلك، فالأمل بتغيير إيران لسياستها مع دول الخليج يتلاشى يومًا بعد يوم، فهي ليست المرة الاولى التي ضربت فيها بكل التوجهات والدعوات الخليجية لعلاقات حسن جوار سليمة عرض الحائط، ولم تتأخر عن تقديم الدعم المادي والاعلامي واللوجستي للإرهابيين في السعودية والبحرين واليمن والكويت حتى هذه اللحظة، لأن (تصدير مبادئ ثورة الخميني يعد واجبًا دينيًا).
ويمكن قراءة سياسة ايران منذ نجاح ثورة الخميني عام 1979 تجاه دول مجلس التعاون من خلال الركائز التالية:
أولاً: تعليق الملفات الخلافية مع دول مجلس التعاون:
ففرض منطق القوة بالاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) غداة الانسحاب البريطاني من الخليج في (30 نوفمبر 1971م)، وعدم موافقة إيران على إحالة الموضوع إلى محكمة العدل الدولية، وعدم تجاوبها مع الدعوات الإماراتية لإيجاد حل بالمفاوضات الثنائية، إلى جانب عدم دخولها في مفاوضات جادة للتوصل إلى حلول لمشاكل الحدود البحرية بينها وبين عدد من دول مجلس التعاون، يوضح حقيقة الأطماع الإيرانية وسعيها نحو التمدد في المنطقة وبسط نفوذها باستخدام القوة.
ثانيًا: استغلال غياب الأمن القومي العربي:
إن الخلافات (العربية العربية)، وغياب القوة العسكرية العربية والنفوذ السياسي، وخروج العراق من معادلة القوة العربية ووقوعه في الهيمنة الإيرانية بشكل تام، وانشغال مصر بترميم أوضاعها الداخلية ومحاربة الإرهاب، وتراجع المعارضة الوطنية في سوريا بعد هولوكوست حلب، وتوتر الحالة السياسية اللبنانية، وتفاقم الصراع في اليمن، شجع إيران على استغلال هذا الوضع العربي المتردي لمد نفوذها في المنطقة، ليواجه هذا الاستغلال بصحوة عربية متأخرة تقودها المملكة العربية السعودية لحماية الأمن القومي العربي.
ثالثًا: استغلال تخبط السياسة الأمريكية في المنطقة:
إن السياسة الفاشلة التي انتهجتها الإدارة الأمريكية السابقة منذ تولي باراك أوباما الرئاسة في (يناير 2009م)، والتي اتسمت بالتردد في اتخاذ القرارات المصيرية التي تبرهن للعالم بأنها دولة عظمى، وما سببته من عدم ثقة الدول العربية بها، وتوتر علاقاتها بحلفائها التقليدين من دول مجلس التعاون، الذين حددت مسار علاقاتها السياسية والعسكرية معهم وفق احترامهم لمبادئ حقوق الإنسان، خصوصا بعد التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني في (يوليو 2015م)، وإقرار قانون جاستا في (سبتمبر 2016م) في تجاهل تام لآثار ذلك وانعكاساته على أمن واستقرار دول مجلس التعاون والوطن العربي عمومًا، كل ذلك كان مدعاة لارتياح إيران وثقتها بتحقيقها النصر وقيادتها للإقليم بدعم أمريكي صريح.
رابعًا: الالتزام بتصدير مبادئ الثورة الخمينية:
تؤكد مبادئ الثورة الخمينية على التمدد الشيعي الذي ليس له حدود، خاصة في دول الجوار الإقليمي، وذلك حسب مضمون الدستور الإيراني الذي يصرح بأن جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة لا يتحملان فقط مسؤولية حفظ وحراسة الحدود، وإنما يتكفلان أيضًا بأعباء حمل رسالتها الإلهية وهي الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في أرجاء العالم والعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم)، وذلك كله من أجل تثبيت نظام (ولاية الفقيه) كنظام إقليمي معترف به من قبل الدول الكبرى والمجتمع الدولي وكأحد أسس النظام العالمي الجديد، على اعتبار أن الرسالة التي تحملها الثورة الإسلامية هي كل ما يحتاجه العالم من أجل تحقيق السلام على الأرض، فأصبحت واجبًا دينيًا مقدسًا ملزمًا، خاصة وأنها تحظى بدعم المرشد الأعلى، وهذا ما يفسر الموقف الإيراني تجاه الأوضاع في المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الكويت واليمن عبر تهريبها للسلاح وتدريب الإرهابيين وتقديم كافة وسائل الدعم إليهم، والتدخل المستمر في الشؤون الداخلية لدول المجلس والإدلاء بالتصريحات المعادية التي تحمل تحريضًا صريحًا وتعكس إصرارًا واضحًا على إشاعة الفتنة بالاعتماد على سياسة استعمارية قديمة تقوم على مبدأ (فرق تسد).
لذلك فإنه وأمام تلك السياسات الإيرانية، والتفاوت الملحوظ في تعاملها السياسي بين دولة خليجية وأخرى، وتمددها ونفوذها في كل من العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، وإصرارها على استغلال الطائفية وادعاء المظلومية كوسيلة استراتيجية رخيصة لتحقيق أهدافها وأطماعها والتأثير على الشيعة من مواطني دول مجلس التعاون، إلى جانب المتغيرات الإقليمية والدولية المتوقعة خلال الفترة القادمة، والدعوات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني، وتعيينه شخصيات معادية لإيران في مناصب أساسية كوزير الخارجية الذي يدعو إلى مراجعة الاتفاق بشكل كلي، فإن إيصال الرسالة الخليجية إلى إيران لن يتحقق إلا بوجود أسس تعكس قوة دول مجلس التعاون وسيادتها وموقفها العملي الموحد تجاه التصرفات الإيرانية المستفزة لتبنى على تلك الأسس العلاقات الخليجية الإيرانية المستقبلية.
وبحكم خبرتي الغزيرة والطويلة في تفاصيل هذا الملف، أوجز تلك الأسس في نقطتين أساسيتين هما:
أولاً: وضع استراتيجية خليجية موحدة تتضمن الحدود الدنيا للتعامل مع إيران، وتقوم على مبدأ الأمن الجماعي والدفاعي الخليجي استنادًا إلى الاتفاقيتين الأمنيتين بين دول مجلس التعاون الموقعتين في (ديسمبر 1994م) و(نوفمبر 2012م)، واتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في (ديسمبر 2000م) والتي تعتبر جميعها أركانًا مهمة للعمل الخليجي المشترك في المجالات الأمنية والعسكرية من أجل الاستقرار والدفاع عن أراضي دول المجلس ومصالحها المشتركة وتطلعات وآمال شعوبها.
ثانيًا: توحيد الخطاب السياسي الخليجي تجاه إيران، والذي لم يعد موحّدًا إلا في البيانات الصحفية للمجلس الأعلى والمجلس الوزاري، والتصريح بكل وضوح وشفافية عن مواقف (عملية) للدول الست تجاه ما تتعرض له من تصريحات مستفزة تحمل في طياتها تهديدات مستمرة ومباشرة للأمن القومي الخليجي.

 المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا