النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

طريق الضباب.. في علاقات العرب وترامب

رابط مختصر
العدد 10152 الثلاثاء 24 يناير 2017 الموافق 26 ربيع الآخر 1438

تمر الأمة العربية بحالة عدم استقرار وبتطورات متسارعة وخطيرة تهدد كيانها واستقلالها الوطني، سببها الرئيسي السياسة الفاشلة التي انتهجتها الإدارة الأمريكية منذ تولي باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة في (يناير 2009م)، فثمان سنوات عجاف اتسمت فيها السياسة الأمريكية بالتردد في اتخاذ القرارات المصيرية التي تبرهن بأنها دولة عظمى، خصوصًا تلك المتعلقة بمعالجة الأزمة السورية، كإعلانها العزم على استخدام القوة العسكرية لضرب سوريا لمنع النظام من استخدام الأسلحة الكيماوية بعد هجومه على الغوطة الشرقية بريف دمشق في (21 أغسطس 2013م) بالغازات السامة، ثم تراجع أوباما عن ذلك في اللحظات الأخيرة مما أدى إلى تراجع ثقة الحلفاء والأصدقاء التاريخيين بالولايات المتحدة الأمريكية.


إضافة إلى ذلك، فإن من أهم العوامل التي أثرت سلبًا على مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية وتحالفاتها التاريخية والاستراتيجية في المنطقة العربية هو دورها الأساسي في التخطيط لإسقاط الأنظمة العربية، بحسب خطة (الفوضى الخلاقة) التي أعدتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (كوندليزا رايس) منذ (أبريل 2005م) وهدفت إلى تغيير أنظمة الحكم في منطقة الشرق الأوسط إلى أنظمة تعددية ديمقراطية، باعتبارها أنظمة حاضنة للإرهاب، وبذريعة حماية حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة والإصلاح السياسي والاقتصادي، وتفتيت وتقسيم الدول العربية إلى دويلات على أسس دينية ومذهبية وطائفية من أجل نشر الديمقراطية وتشكيل الشرق الأوسط الجديد، وهو ما صرحت به وزيرة الخارجية لصحيفة الواشنطن بوست في (9 أبريل 2005م).


فتم تثوير الشارع العربي بطريقة لم يشهدها في التاريخ، وذلك بعدما استنفدت واشنطن تجاربها مع العرب منذ الخمسينيات التي تقلبت بين القوميين والشيوعيين والناصريين والبعثين والرجعيين - إن صح التعبير- إلا أنها وجدت ضالتها في استغلال الطائفية الدينية كوسيلة لإحداث التغيير الذي تسعى إليه، وهذا ما عقد الأوضاع في الشرق الأوسط وساهم في ظهور التنظيمات الإرهابية. 


وتحت شعارات (حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير وادعاء المظلومية) التقت المصالح الأمريكية بالأهداف الإيرانية الخبيثة، ليتم التوقيع على الاتفاق النووي مع دول (5+1) في (يوليو 2015م)، وتقوم الأخيرة بممارسة دورها التخريبي في المملكة العربية السعودية (وتحديدًا القطيف ومكة المكرمة) ومملكة البحرين ودولة الكويت، وتحرك أذرعها الخبيثة وتشعل فتيل الأزمات ونيران الفتن الطائفية لتنفيذ مخططاتها وتحقيق أطماعها، وتقوم الإدارة الأمريكية - وبهدف إسقاط الأنظمة الخليجية - بالضغط السياسي والدبلوماسي على الحلقة الأضعف في منظومة مجلس التعاون، وتجري الاتصالات المكثفة لحشد التأييد في مجلس حقوق الإنسان لاتخاذ مواقف ضد مملكة البحرين وإصدار البيانات البعيدة كل البعد عن الحيادية والموضوعية المطلوبة من منظمة دولية عليها دعم وتشجيع الإصلاحات في أي دولة من دول العالم دون التدخل في شؤونها الداخلية،

 

وذلك في تجاهل تام للجهود الحقيقية التي بذلتها حكومة البحرين لحماية حقوق الإنسان، والخطوات الإصلاحية الكبيرة والمتقدمة التي تم تنفيذها في إطار المشروع الإصلاحي لجلالة الملك الذي يعتبر خارطة طريق نحو التعددية والديمقراطية والحكم الرشيد، ومشروعًا وطنيًا جامعًا التفت حوله كافة القوى والتيارات السياسية، وقدم نمطًا جديدًا في الحياة السياسية بتعزيز المشاركة في الحكم، وتأكيد دور المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتم التصويت عليه بنسبة مشاركة شعبية من مختلف الأطياف والتوجهات بلغت (98.4%). 


وعود على بدء، فإنه نتيجة للسياسة الأمريكية الفاشلة خسرت المعارضة السورية معركتها في حلب، وقامت قوات النظام بحرق أقدم مدينة في العالم على رأس أبنائها ودمرت كل معالمها بمساعدة القوات (الروسية والإيرانية وميليشيات حزب الله)، وهللت لذلك بعض الأقلام في الصحف العربية الكبيرة المعروفة، وهو ما يؤكد عدم الإيمان بشرعية نضال الشعب السوري وتطلعاته نحو الحرية والعدالة والمساواة وإقامة دولة القانون والتعددية السياسية، رغم أن دروس وعبر التاريخ تؤكد أن الشعوب المؤمنة بقضيتها لا تخسر مهما طالت معركتها.


لذلك فإن (إيران وحزب الله وروسيا) لن تتمكن من الانتصار على الشعب السوري الذي سيتحرر من الديكتاتورية المفروضة عليه بقوة السلاح والقمع والسجون، وسيظل التاريخ حليفًا له، وستكون الهزيمة مصير نظام بشار الأسد وحلفائه رغم محاولاتهم المستميتة لتغطية فشلهم بعقد صفقات سياسية في المؤتمرات التي تتناول القضية السورية سواء مؤتمرات جنيف السابقة أو مؤتمر الأستانة الذي جمع الدول التي شاركت في (هولوكوست حلب)، والاجتماع الثلاثي الذي عقد في موسكو بتاريخ (20 ديسمبر 2016م) بين (روسيا وتركيا وإيران) وانتهى إلى إعلان (وثيقة موسكو) التي أكدت على أن أولويات هذه الدول هي القضاء على الإرهاب وليس تغيير نظام بشار الأسد.


لتبقى (المصالح السياسية) هي أساس لعبة توزيع مناطق السيطرة في العالم، وهي التي لعبت دورها فيما حل بالشعب السوري من ويلات ودمار لم يشهده التاريخ، والتي لا تخرج عن كونها جزءًا من مخطط (الفوضى الخلاقة) لتغيير الأنظمة العربية بما يتفق وهذه المصالح وإعادة ترتيبات ميزان القوة في منطقة الشرق الأوسط لتصبح إيران هي المتحكمة في مصير المنطقة.


لذلك يشعر العرب بالارتياح من انتهاء ولاية الرئيس أوباما الذي كان سبب تدمير كيانات دول عربية مستقلة وإقامة أنظمة جديدة تعاني حتى اليوم من الفوضى والعنف والإرهاب، خصوصًا بعد أن خذلتهم الإدارة الأمريكية السابقة بتعمدها ترك الأبواب مفتوحة أمام روسيا وإيران لاحتلال سوريا والعراق، ولتواجه القضية الفلسطينية تراجعًا وجمودًا سياسيًا لم تشهده في تاريخها لولا المبادرة الفرنسية الساعية إلى تحريكها. 


ولكي تستقيم وتستقر العلاقات الخليجية الأمريكية مع إدارة الرئيس ترامب على أسس صحيحة وثابتة، أعتقد بأن تجارب الخمسين عامًا الماضية من عمر هذه العلاقات تستدعي أن توضع في الاعتبار الأمور الثلاثة الآتية: 
أولاً: المراجعة الدقيقة للعلاقات الخليجية الأمريكية في ضوء التطورات المتسارعة والتهديدات المحدقة بدول مجلس التعاون التي تتطلب أن تكون لديها استراتيجية عملية متوازنة ترتكز على مصالحها العليا التي يجب أن تحكم هذه العلاقات، بحيث تبتعد عن سياسة المجاملة وتعمل على تأسيس سياسة تقوم على المصالح المتبادلة وعدم خلطها بقضايا حقوق الإنسان، خاصة فيما بتعلق بقضايا الأمن والدفاع، مع الأخذ في الاعتبار فتح علاقات تقوم على توازنات استراتيجية مع الدول الأخرى تتيح لها حرية الحركة التي تخدم مصالحها الوطنية وتحمي استقلالها الوطني بعد التجارب المريرة التي شهدها الوطن العربي بتسليم العراق لإيران وتخلي الولايات المتحدة عن مسؤوليتها في سوريا وتسليمها إلى الدب الروسي، فالاعتماد على الولايات المتحدة كحليف تاريخي واستراتيجي وحيد لأمن واستقرار المنطقة أثبت فشله التام نتيجة الخلط الأمريكي بين (المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية)، و(مبادئ حقوق الإنسان) التي أصبحت ركيزة أساسية في النظرية الأمريكية لعلاقات الصداقة مع دول العالم.


ثانيًا: تعزيز الجبهة الداخلية لدول المجلس والدول العربية فورًا، عبر إجراء مزيد من الإصلاحات وتعزيز المشاركة الشعبية في الحكم وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية لمواجهة التحديات والتدخلات الخارجية المتعلقة بهذا الأمر الذي أصبح وسيلة لتحقيق غايات وأهداف سياسية تحت شعاراته الفضفاضة. 
 ثالثًا: يظل الأمن ومكافحة الإرهاب هو الهاجس الأول والأساس في سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة، ما يتطلب معه أن تكون دول مجلس التعاون على رأس قائمة الدول المتعاونة معها للقضاء عليه، وستكون فرصة مهمة لها لاستعادة دورها الإقليمي في منطقة الخليج العربي إذا وضعنا في الاعتبار الدعوات التي أطلقها ترامب لإعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني، وتعيينه شخصيات معادية لإيران في مناصب أساسية كوزير الخارجية الذي يدعو إلى مراجعة الاتفاق بشكل كلي.
 
المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا