النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

قــــال لـــــــي

رابط مختصر
العدد 10146 الأربعاء 18 يناير 2017 الموافق 20 ربيع الآخر 1438

عندما أقرأ لك، وتحيل بعض استشهاداتك إلى تراثنا وموروثنا الشعبي، أتخيل نفسي أننا نعيش في كوكب آخر لا ينتمي إلى كوكب الماضين، وأتصور أن القيم التي كانوا عليها تنتمي إلى ثقافة أخرى لا صلة لنا بها ولا أدري كيف نمد الجسور إليها!!
كان هذا القول لأحد قرائي الأعزاء الذين أفتخر بقراءتهم لمقالاتي التي أؤمن بأن من واجبنا إيصال حقائق مجتمعنا إلى الأجيال، وإن واجب كل أب وأم أن يذكر، ليس تغنيًا بالماضي الجميل وتحسرًا على الحاضر المعاش، فنحن لا نملك أن نقيم المجتمعات دون أن نكون واقعيين في الإحاطة بكل المعطيات والملابسات والظروف التي كانت تحيط بهم وبالحضارة والقيم والعادات والتقاليد التي توارثوها وبنوا حياتهم عليها، فلكل زمان ظروفه وتطور الحياة فيه، ولذلك فمن الظلم البيِّن أن نحكم على الناس لمواقفهم والآراء التي تبنوها في الماضي، ونقارن المواقف ولو تشابهت بالحاضر المعاش.
على العموم هي قضية تثار دائمًا لكننا نثق بأن الأمم تراكم الخبرة لديها، وتبني على أساسها مواقفها وإن كانت تنظر بعين الفاحص لما يجري من حولها.
فقدنا في هذا الزمن القصير مفكرين وأدباء وشعراء وفنانين ومبدعين، وهي سنة الحياة، وعزاؤنا فعلاً أن أعمالهم وإبداعاتهم ونبضات شعورهم ومواهبهم المتعددة هي نبراس تستقي منه الأجيال المقبلة الكثير من المعاني والتجارب والخبرات، هم وضعوا بصمات في مجالهم ودراسة عطائهم وسيرة حياتهم يستفيد منها كل من أراد أن ينجح في مهمته ورسالته وكثيرًا ما نسمع بأن من يرحل من الصعب أن يعوض، وهذه حقيقة دامغة لأن كل شخصية من هؤلاء مرَّ بظروف خارجية وداخلية ليس بالضرورة يمر بها من أتى بعدهم، كما أنهم كانوا في مرحلة زاخرة بكل المعطيات والشخوص، والمرء منا لا يعيش بمعزل عن الآخرين، يتفاعل معهم، يستفيد من خبرتهم وتجربتهم، ويتطلع إلى بناء شخصيته المتفردة..
أتابع يوميًا برنامجًا تبثه إذاعة «صوت العرب» من القاهرة بعنوان «حدث في مثل هذا اليوم» وهو برنامج على الرغم من دقائقه المعدودة إلا أنه يستعرض تاريخ ميلاد أو وفاة أحد السياسيين أو العلماء في مجالات متعددة أو مثقفين وشعراء وأدباء وفنانين بمختلف تخصصاتهم في عالمنا العربي والعالم الإسلامي والعالم الدولي وهم نماذج في مختلف عطاءات الحياة المتعددة. وعندما تستمع إلى هذه الأسماء تأخذك الذاكرة إلى عطاء هؤلاء، وكيف بنوا حياتهم والتراث الذي أبدعوا فيه وتركوه للأجيال التي تأتي بعدهم وسبحان الله قد تجد في أقوال هؤلاء وأشعارهم ما ينطبق علينا في زماننا هذا وإن بعدت بيننا وبينهم الشقة.
علينا أن نحترم السابقين وإن اختلفنا معهم، فلكل مجتهد نصيب، كان التواصل بين الأدباء والشعراء العرب يأخذ أشكالاً متعددة إن كان من خلال التجمعات التي تجمعهم مع بعضهم بعضًا أو من خلال المشاركات في مهرجانات متعددة في معظم أقطارنا العربية، كذلك كان المسرحيون الذين جمعتهم المهرجانات المسرحية المتعددة وكذا الحال بالنسبة للفنانين المطربين والمغنين، كما توسعت المشاركات للإعلاميين في مهرجانات احتضنتها دول الخليج العربي ودمشق والقاهرة وبغداد والمغرب وتونس والجزائر، فالتعاون بين أصحاب الاهتمام والتخصص يضيف الكثير في إثراء التجربة وإغنائها كذلك نهج أصحاب الاختصاص نفس النهج من محامين ومؤرخين، وعلماء وأصحاب فكر..
رحم الله الدكتورة الشاعرة نازك الملائكة أستاذتي في النقد المقارن بكلية الآداب جامعة الكويت التي كانت تتحدث عن زملائها الشعراء بكل احترام وتقدير بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وعبدالوهاب البياتي، وأبي القاسم الشابي وغيرهم، وكانت وهي رائدة الشعر الحر تتغنى بشعر المعلقات، وشعراء العصور اللاحقة وتجربة الشعر الأندلسي، وكانت تخجل من الحديث عن شعرها وتجربتها وتكلفنا بإعداد الدراسات عن الآخرين وعندما أبدى أحد الزملاء الرغبة في دراسة شعرها وجهته بأن يهتم بالآخرين سواها، وقالت سيأتي اليوم الذي بإمكانكم الحديث عني، وعن تجربتي الشعرية.
كانت أخلاق العلماء عند هؤلاء رفيعة، وتواضعوا للعلم حتى باتوا خبراء فيه وعلامات بارزة في مجال تخصصهم.
أتذكر أن الراحل المحقق التراثي العالم الأستاذ اللغوي المصري عبدالسلام هارون يرحمه الله وهو كان رئيس كلية الآداب بجامعة الكويت وأحد المحققين في كتب التراث المشهور كان يقول لنا عندما أكتب لا أتورع في أن يراجع ما كتبت أحد المختصين في علم اللغة والنحو والصرف وإن كان يشغل منصبًا أقل منه، لأنه كان يقول لنا إن الإنسان مهما علا قدره في العلم سيظل بحاجة إلى الآخرين وخبرتهم ورأيهم. وكان يرحمه الله يحثنا على القراءة والاطلاع وقال لا تنسوا أبدًا أن تسجلوا بعض ما تقرأون، لأن «القراءة صيد، والكتابة قيد» فقيدوا صيدكم بالكتابة.
كم نحن بحاجة إلى الآخرين، وكم نتطلع إلى أن نستفيد ممن سبقنا، فقد بتنا نحتاج دائمًا إلى النصح والإرشاد وإن تقدم بنا العمر، وفي موروثنا الثقافي كان يقال رأي الاثنين أفضل من رأي الفرد وكذا يكون في التدرج العددي، والمهم أن يستمع أحدنا إلى الآخر نأخذ ما نراه منطقيًا وينسجم مع السليقة البشرية ونبتعد عن كل ما يجانب المنطق ورجاحة العقل، وهي أمور ليست سهلة وميسرة، وإنما تحتاج إلى دربة ومران وتواضع العلماء.
 
 وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا