النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

الثقافة بين الصحة والمرض

رابط مختصر
العدد 10145 الثلاثاء 17 يناير 2017 الموافق 19 ربيع الآخر 1438

الثقافة والمثقف كلمتان متلازمتان شائعتان شيوع الهواء الذي يبقي الانسان على الحياة، وهناك علاقة كيميائية جدلية بين الكلمتين، فالثقافة من نتاج جهد الانسان الذي يصير مثقفًا عندما يعمل فكره في جملة مكونات محيطه وبيئته ونشاطه العقلي والفيزيائي من أجل البقاء، البقاء في خطين متوازيين على مدى ما تسمح به الطبيعة الكونية، خط البقاء البيولوجي النابض بالحياة وخط التفاعل الإجتماعي الإنساني على مسار التطور والارتقاء... الإنسان ومنذ بداية بداياته التكوينية وهو يتنقل ارتقائيًا من طور أدنى إلى طور أعلى، وهذا الإرتقاء كان بفضل التفاعل البيولوجي من جهة وبفعل التكيف مع مقتضيات الطور الجديد، وطبعا لا يستقيم التكيف ولا يؤتي ثماره إلا بجهد ذهني مركزه العقل، وبديهي أن البيولوجيا قد طورت في البناء الحي عند الانسان ذاك العضو العقلي المفكر حتى يتمكن الكيان البيولوجي من التكيف بطوره الجديد مع مستجدات البيئة والمحيط... ويبدو أن البيولوجيا بحد ذاتها تمتلك ملكة التدبر الذكي عندما شكلت في البناء البيولوجي الحي العقل كعضو مفكر، والهواء الذي يتنفس به وفيه الفكر هو حرية التفكير، وإلا فإن هذا العضو المفكر ينكمش ويتعطل عن أداء وظيفته في التكيف مع البيئة والمحيط وفي الارتقاء بالانسان من طور حياتي أدنى الى طور حياتي أعلى... إن الطور الحياتي اليوم وبكل تجلياته الحضارية الذي تعيشه البشرية، بعد تخطيه مرحلتي الوحشية والبربرية، هو بفضل الفكر الذي يتنفس في هواء الحرية، فلا إنتاج فكري وثقافي دون فكر حر، فالحرية هي روح الفكر وبالنتيجة روح الثقافة...
وقد أشار الأديب والمفكر التنويري الاستاذ إسحاق الشيخ على لزوم التلازم والالتزام وكيميائية التفاعل بين الثقافة والحرية في مقال في جريدة «الأيام»، العدد 10119الخميس 22 ديسمبر 2016، بعنوان «فكر عربي واحد أم أفكار عربية متعددة».
وجاء المقال في أعقاب مؤتمر (مؤسسة الفكر العربي) الذي كان قد عقد في أبوظبي، وقد اختتم المؤتمر بتقرير يشير فيه الى «أن المؤتمر يسعى الى استشراف آفاق مستقبل أوسع وأرحب للتنمية الثقافية، دون أية إشارة إلى أهمية (الحرية) في التعاطي مع الثقافة»، وقد أعقب الاستاذ إسحاق الشيخ، وهو أحد رواد الفكر التنويري في العالم العربي، في مقاله حول المؤتمر بهذه الكلمات: «ولا أدري كيف يمكن تثمير (واستشراف) ثقافتنا العربية اذا لم نقف على الجوهر المؤثر في جني ثمراتها... فالثقافة تعني الحرية فبدون الحرية لا يمكن الحديث عن الثقافة، إن نزع الحرية من الثقافة يعني نزع روح الثقافة ولا يمكن الحديث عن ثقافة منزوعة الحرية»... في مؤتمر (مؤسسة الفكر العربي) الذي عقد توًا في أبوظبي كل الأحاديث والنصوص والمداخلات تتجلى «بالوعي» ثقافيًا، ولا شيء لا من هنا ولا من هناك عن الحرية كأن الثقافة غير معنية البتة من الحرية، أو كأن الخطر يأتي على الثقافة من الحرية التي هي نبض الثقافة وآلية منافعها الإنسانية...
وما يرمي إليه الأستاذ إسحاق الشيخ أن عقد المؤتمرات حول الثقافة بحد ذاتها لا تعني بالضرورة مواكبة الثقافة في حلتها الصحية والسليمة والحية إن لم تكن روح الثقافة حاضرة في أنفاس الحرية، حرية التفكير وحرية النقد وحرية الإبداع والتجديد... والثقافة هي أعلى وأرقى ثمرة فكرية في المجتمعات البشرية، وهي التي تعبد الطريق الى تحقيق الطموحات البشرية، طموحات التطور والارتقاء... وهذا لا يعني أن المجتمع الواحد موحد في نمط تفكير أفراده...
تشهد المجتمعات والتجمعات البشرية، ومنها طبعًا مجتمعاتنا العربية، نمطين من التفكير، نمط تقليدي منغلق على الواقع الراهن ومتقوقع فيه ويجهد فكره للإبقاء على الوضع الراهن وجر أذياله إلى إرث الماضي تحت ذرائع شتى وهو يتمترس بالدين والعقيدة والمذهب اعتمادًا على تفسيراته الذاتية لنصوص الدين مع إضافات تدعم مواقعه ومصالحه، وفي مقابل هذا النمط التقليدي الجامد يسطع على المجتمعات البشرية، ومن ذات المجتمع، نمط تقدمي تنويري يفعل فكره في أجواء الحرية الفكرية من أجل التطور والارتقاء بالمجتمع إلى طور أفضل وأنعم (من نعمة) على المجتمع والانسان والوطن والعالم في كليته، هذا هو النمط الفكري الذي ينسجم ويتماشى مع الطبيعة الفطرية للحياة.... وإذا ما رجعنا إلى التعاريف المتعددة لمفهوم الثقافة فإنه بالإمكان إستخلاصها في محاور ثلاثة، أولاً فالثقافة «نمط متكامل من المعرفة البشرية، والاعتقاد، والسلوك الذي يعتمد على القدرة على التفكير الرمزي والتعلم الاجتماعي»، وواضح أن التفكير مصحوب بالتعليم وبالتعلم وهو الأساس في مسيرة المعرفة وتشكيل المبادئ والأفكار الحية، والسلوك الذي يعبر عن الجهد العملي في التعاطي مع منتجات الفكر المتواصل والمتجدد، وثانيًا فإن الثقافة «تذوق متميز للفنون الجميلة والعلوم الإنسانية، وهو ما يعرف أيضا بالثقافة عالية المستوى»، ولا يمكن للفنون الجميلة أن ترى النور في غياب الفكر الذي يتنفس في أجواء الحرية، ولا يمكن لملكة الذوق المتميز أن تتولد إلا في أجواء الفكر الحر، وثالثًا فإن الثقافة «هي مجموعة من الاتجاهات المشتركة، والقيم، والأهداف، والممارسات التي تميز مؤسسة أو منظمة أو جماعة ما»، فللشعوب ثقافاتها وهذه الثقافات تتغير ملامحها ومستوياتها، من أدنى إلى أرقى، من عصر الى عصر بفعل المعايشة النقدية للنمط الثقافي القائم والارتقاء إلى نمط أكثر تطورًا اعتمادًا على التفكير والتعلم في أجواء حرية الفكر. فالحرية هي روح الفكر، والفكر هو أساس الثقافة.
إذا كانت الحرية هي الروح التي بها وفي أجوائها يتنفس الفكر وتحيا الثقافة، والانسان منذ نشأته ناضل ومازال يناضل من أجل هذه الحرية، وبفضل هذا النضال ترسخت جذور الثقافة الحية في المجتمعات البشرية كلها، فأصبحت الثقافة ملازمة للإنسان لا يمكن التنكر لها ولا يمكن دحر مسيرتها، فأصبح الكل يتغنى بالثقافة على هوى موقعه من الثقافة، فحتى الذين يسعون إلى ثقافة جامدة مشلولة مريضة يتغنون بها، فالثقافة هي المعشوقة ليلى، الكل يهواها وينشد رضاها، ليلى الحر في فكره وليلى العبد لفكر غيره، الحر يحترم حريتها والعبد يكبلها ويكمكمها. ففي المجتمع الواحد نشهد ثقافتين متناقضتين، ثقافة تتمتع بالصحة والحيوية وتتجدد يومًا بعد يوم، وثقافة مشلولة مريضة يعودها سدنة الجمود في أجواء احتفالية وهي طريحة الفراش..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا