x
x
  
العدد 10358 الجمعة 18 أغسطس 2017 الموافق 26 ذي القعدة 1438
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10139 الأربعاء 11 يناير 2017 الموافق 13 ربيع الآخر 1438
 
 

ما يشهده العالم من خراب مقيم في أكثر من مدينة حل بها الدمار والتدمير الهائل، بغض النظر عمن يمارس فعل التخريب على الأرض والعبث بالحياة، يعيد رسم الصورة بشكل غير عادل، فالأفعال الذميمة هنا، يعاد إرسالها صورة مشرقة دفاعًا عن الحريات والإنسان والديمقراطية أحيانًا او عن قيم ومبادئ سامية في أحيان أخرى، والصورة الأخرى المجنونة او المفجوعة يعاد إرسالها على نحو مدهش على انها البربرية والتوحش بعينيهما. فأية مفارقة هذه بين وحشيتين وتخربين وتدميرين، إذا كانت النتيجة واحدة وهي الخراب المقيم لروح الانسان وحياته ومأواه الأرضي وجنته الموعودة؟!!


من السهل إنشاء الصورة الأولى بالتبريرات الأخلاقية والسياسية (مثل محاربة الإرهاب - ونشر الديمقراطية وقمع الأشرار من الشعوب الخارجة عن قانون الأقوياء...)، ومن السهل أيضا بناء الصورة الثانية لتوحش او إرهاب مجنون يتحرك عشوائيًا ويضرب عشوائيًا هنا وهناك، وتتم هذه العملية المفارقة بحسب أنظمة الإرسال الأيديولوجي والخداع الإعلامي التبريري والتعمية على الأسباب والقفز الى النتائج، خاصة بالنسبة الى صورة العرب والمسلمين، كما تم بناؤها لغويا وسياسيا وثقافيا واعلاميا،

 

بعد إضافة المزيد من التشوهات النوعية المتصلة (بعقيدة القتال)، والاختزال والتعميم، من خلال انتاج الصورة السلبية النمطية التي نجح الإعلام المناوئ للعرب والمسلمين في غرسها في الذاكرة الغربية. أما القضايا العربية والإسلامية العادلة فلا أحد يهتم بها، ولا أحد يستوعب في الغرب أن هذا العنف الذي يمارسه البعض قد يكون مرتبطا بالدرجة ما بالظلم الغربي المباشر وغير المباشر لهذه الشعوب، ودوره الفاتك بإنسانيتها ومقدراتها، من انتهاك لكرامتها وابتزاز لسيادتها.


إن صناع القرار والرأي في الغرب يتقبلون صورة العربي او المسلم إذا تخلى عن مصادر القوة وتحول إلى مجرد متسول حقوق ومطالب سلمي، فليس من حق العربي وفق هذا المنطق أن يقاوم الاحتلال مثلاً، ولا ان يرفض الظلم والتعدي على سيادة بلاده، ولكن بإمكانه فقط ان يطالب وان يصرخ لا غير. وبهذا المعنى، وبسبب هذا المنطق الأعرج، فإن العرب والمسلمين واقعون بين المطرقة والسندان، اذ لا تتم الاستجابة لحقوقهم المشروعة (ولو جزئيا مثلما يحدث للفلسطينيين) إلا إذا استطاعوا التحول إلى مصدر للشفقة والتعاطف، أي إلى ضحايا مزمنين، ولكن هذا غير ممكن، لأن اليهود نجحوا حتى الآن في احتكار صورة الضحية إلى حد كبير، بالإضافة إلى أن التغطية الإعلامية السائدة للعرب تصورهم على أنهم يعشقون العنف والدم والموت و(الشهادة)، وأنهم قساة وغير حضاريين.

 

ففي مدينة الخليل بفلسطين المحتلة يقبع 60 ألف فلسطيني تحت عزلة مفروضة، ومنع للتجول حتى يتمكن حوالي 400 مستوطن إسرائيلي مدججين بالأسلحة من القيام بأعمالهم اليومية كالمعتاد والتمتع بالحياة، من دون إزعاج، وهذا الوضع الظالم لم يشاهد العالم مثله مطلقا إلا في العصور البربرية القديمة، ومع ذلك مطلوب من الفلسطيني ان يكون (مؤدبًا) وأن يتقبل الحصار والمنع من الحركة وتهديم بيته واقتلاع شجره..
ان القتل الذي يتعرّض له الفلسطينيون والاحتلال الذي فرض على العراق والفوضى التي تنتشر في كل ركن من الوطن العربي، بتدبير محكم، لا يمكن الا ان تخلق هذا الإحساس بالظلم والقهر، ومن الطبيعي أن يولد العنف بكل أشكاله، وعندما تكون وطأة القوة المحتلة كبيرة وظالمة، وبلا أخلاق يصبح العنف أيضا بلا حدود وبلا أخلاق.


والغريب أن الغرب بسياسييه وبإعلامه لا يعترف بأن هنالك خللاً لا بد من معالجته، وبأن هنالك إشكالية وظلمًا يسببان رد الفعل في هذا العالم البائس المظلوم، ولكننا نقرأ للأسف في صحافة هذا الغرب المتجاهل المزدوج المعايير: الإسلام حضارة عنيفة وان (العرب والمسلمين هم أبرز خطر عالمي يواجه الغرب) وأن (الإسلام غير متلائم مع الحضارة الحديثة ولا يمكنه التعايش معها سلميًا). وقد كان السيد هنتنغتون في كتابه عن صراع الحضارات، قد قال في سياق التدليل على هذا المنطق بحتمية المواجهة مع الإسلام والمسلمين: (إن المسلمين يشكلون عشرين في المائة فقط من سكان العالم، ومع ذلك فهم متورطون في سبعين في المائة من النزاعات التي تدور على كوكبنا).

 

هكذا !!! وبكل بساطة لخص هنتنغتون أحد أخطر الخطابات الغربية التي تعالج موضوع العلاقة بين الغرب والإسلام لمرحلة ما بعد زوال الخطر الشيوعي والحرب الباردة، فقضي على كل المحاولات والجهود التي جرت في السنوات الأخيرة لمد الجسور الحوارية مع هذا النمط من التفكير الذي - وللأسف - يأخذ مقويات بعد كل عملية ضد مصالح أمريكية أو انفجار سيارة مفخخة أو عملية فدائية في فلسطين المحتلة، مما يجعل من الصعوبة بمكان التخفيف من وطأة هذه النظرية وتأثيرها علي النخب السياسية والإعلامية والثقافية في الغرب وعلى الرأي العام، لكن واقع الحال والخطاب الإعلامي والفكري على الساحة الأمريكية لا يشجعان كثيرًا على التفاؤل بفك الارتباط بين الإسلام والعنف والإرهاب في العقل الأمريكي والذي يجد أفضل دعم له من كتاب هنتغتون الذي شكل الحاضن الفكري لمثل ذلك التوجه الخطير وغير المنصف وغير الحضاري، فبعد ان يشعلوا النيران في كل مكان، يصخون من أي جاء الدخان؟؟!!!.

همس
خيبة المشاعر يمكن أن تقتلك في رحلة العواطف اللاهثة وراء المثال الذي يذوب كتمثال الثلج، فهي أقرب إلى تخليص مدمن من إدمانه، ولكن هل يبقى لمن دفع قلبه بالكامل الى تلك اللحظة المجنونة، وهل يبقى من شيء يستحق الاهتمام بعد التحرر من الأحلام؟
المشكلـة تبدأ من الضعف الذي يهدر الحرية، ففي حضرة الاحلام تعتريك لحظة الاشتياق وهزة اللوعة بفقدان ما تخيلته نبعًا لا ينضب، فتكتشف أن النبع كان مجرد سراب صحراوي.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟