x
x
  
العدد 10149 السبت 21 يناير 2017 الموافق 23 ربيع الآخر 1438
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10139 الأربعاء 11 يناير 2017 الموافق 13 ربيع الآخر 1438
 
 

إن أي ثقافة تعبر بالضرورة عن نسيج مجتمع وصيرورة حياة شعب، وباتت الأمور تحتاج منا ربما إلى التدريب والمعايشة وإغناء التجربة. كثيرًا ما نحضر مؤتمرات صحفية إما مباشرة أو عبر وسائل الإعلام أو ندوات ومحاضرات ونفاجأ بأن ما يسألون الضيف أو المتحدث هم في الواقع لا يسألون سؤالاً مباشرًا في صلب الموضوع، وإنما هم في حقيقة الأمور يعقبون ويشرحون، ويظهرون جانبًا من خلفيتهم العلمية أو المعرفية وننتهي بفترة من الأسئلة تتجاوز مدة المحاضر أو المنتدى أو المتحدث و«إننا ندخل في محاضرة أخرى وفي وقت هو أطول من المقرر، وقد تكون الأسئلة بعيدة عن الموضوع المطروح والمثار».


فالسؤال له قواعده وشروطه ومعاييره والتدريب عليها والإلمام بها من قبيل التعليم الذي لا يقف عند حد معين أو عمر محدد. فالغرض من السؤال فتح أبواب مغلقة أو معلومة غير مفصح عنها، أو إثراء وإغناء في الأفكار المطروحة، وليس مناكفة وتصيدًا للأخطاء وإحراجًا للمتحدث وفضح ربما ما لا يعرف عنه شيئًا، وربما لاحظنا أن بعض المتحدثين الرسميين في بعض دول أوروبا وأمريكا لا يعيبهم أن يوضحوا بأنهم لا علم لهم بخلفيات السؤال المطروح عليهم، بل لا مانع لديهم بأن يقولوا: «لا معلومات لدينا حول ذلك، أو أننا غير مصرح لنا أكثر في توضيح تفاصيل لم يحن أوانها الآن»، وليت هذه الخصال تتوافر لدينا؛ لأننا قد نفهم بأننا نتهرب من السؤال أو في أحسن الأحوال إننا غير ملمين بالموضوع بما فيه الكفاية.


ومن هنا تبرز مسألة ثقافة السؤال التي أخذت لها عنوانًا لهذا المقال. واسمحوا لي أن أعود قليلاً إلى تلك الأيام الجميلة التي لم يكن لدينا عناوين مسجلة بما نحن عليه الآن في أسماء شوارع وطرق وأرقام لها وأرقام لمنازلنا، وكنا نكتفي بأن نقول منزلنا في شمال أو جنوب البديع، أو نشير إلى معلم من معالم القرية أو المدينة أو ربما اسم المختار وبيته يوم كان عندنا مخاتير، وكان الزائر لنا يشعر بأن أهل القرية والمدينة بالتأكيد يعرفون بيت «فلان» ولا مانع من وجهت إليه السؤال أن يصطحبك إلى البيت المراد ولا يكتفي بأن يوصف لك العنوان وإنما هو على استعداد لتوصيلك إلى بغيتك وفي ذلك شعور منه بالرضا وطيب الخاطر كونه أسدى إليك معروفًا.


لازلت أتذكر تلك الأحاجي التي كانت جداتنا يرحمهن الله يروينها لنا والتي كانت تحت عنوان «اسويرة وبنتها» ويأتي الجواب «عرفنا من تحتها» وكانت هذه الأحاجي عبارة عن ذكر سيدة من سيدات المجتمع لها من الأولاد والبنات كذا عدد، وكان علينا معرفة من هذه السيدة أو من هذا البيت الذي يضم هذا العدد من الأبناء والبنات، ونجتهد فإن أصبنا قلنا «عرفنا من تحتها» ونذكر اسم السيدة وأبناءها، وأظن والله أعلم أن هذا كان نوعا من التثقيف لنا ونحن صغار بأن نعرف الأسر في فرجاننا وأحيائنا بالمدن والقرى وهو مران كان من شأنه أن يقرب الناس بعضهم من بعض ويخلق التواصل الحميمي ولا تسألوا اليوم في زماننا هذا السؤال عن «اسويره وابنتها» فقد تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع إلا من رحم ربي.


وأعود إلى ثقافة السؤال مجددًا بإيراد قصة من سيرة نبينا الهادي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سرية فأصيب أحد أفرادها بجراح في بدنه بعد معركة، فلما أصبح به الصباح وقام ليصلي صلاة الفجر إذا به يرى نفسه قد احتلم ويجب عليه الغسل، ولكنه بسبب ما أصابه من جراحات في بدنه رأى أنه لابد من أن يسأل أهل العلم لعلهم يجدون له رخصة في ألا يغتسل خشية أن يصيبه ضرر أو هلاك فسأل من حوله، فقالوا له لابد لك من الاغتسال، فما كان من هذا الجريح المصاب إلا أن يأتمر بأمر من أفتاه، فاغتسل فعاجلته المنية (يرحمه الله) فلما وصل خبره رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبا شديدا على أولئك الذين أفتوا بغير علم قائلا عليه الصلاة والسلام: «قتلوه قاتلهم الله ألا سألوا حين جهلوا فإن شفاء العي السؤال». 


وهي قصة من السيرة النبوية الشريفة تؤكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن السؤال عن الأمور غير المعروفة والمستعصية ليس بنقيصة في المرء، فقد علمت أشياء وغابت عنك أشياء والمهم في المسؤول أن يجيب السائل بما يعلم يقينا لا تخرصا واجتهادا في غير موقعه، وليس عيبًا أن يقول: «لا أعلم، وأسأل من هو أعلم مني» وفي أدبياتنا وموروثاتنا قيل «من قال لا أعلم فقد أفتى» أما أن يتنطع المرء ويدعي بأنه «أبو العريف» وعنده في شريعته واعتقاده أنه عندما يقول لا أدري فقد جزءًا رئيسيًا من شخصيته، ولا يدري أنه بهذا الصنيع قد يسبب ضررًا للسائل ويعيق الوجهة التي هو يقصدها، وبالتالي فهو يدري أو لا يدري يلحق الضرر بالآخرين هم في غنى عن المعلومات المغلوطة أو المشوشة.


نعم نحن بحاجة إلى تعميق ثقافة السؤال والجواب في حياتنا ومجتمعاتنا، وأعتقد أن الجهود التي تبذلها بعض المجتمعات، بل بعض جمعيات المجتمع المدني، كالإرشاد الأسري، أو الاتصال بذوي الاختصاص من خلال الهاتف، أو اللجوء للجمعيات النسائية التي تبرعت بتوجيه النصح والإرشاد، أو أن تقوم بعض أجهزة الدولة الخدمية بتقديم المعلومات الموثقة والأكيدة عند طلب خدمة طبية أو إسكانية أو معيشية أو فتح مشروع تجاري بسيط وتخليص معاملات يومية ضرورية، هي أمور تدخل في صلب المسؤولية الوطنية وتوفيرها مجانًا لمواطن غابت عنه أشياء فيه اختصار لوقته واستثمار لجهوده ووصوله إلى هدفه بأقل الخسائر.


ثقافة السؤال، وثقافة الجواب عنصران لازمان لتسهيل أمورنا في حياتنا اليومية وتدخل على أنفسنا الطمأنينة والارتياح وتشعرنا بالرضا وطيب الخاطر.
فهلا أخذنا بقول الرسول الهادي صلوات الله وسلامه عليه: «ألا سألوا حين جهلوا فإن شفاء العي السؤال».
وعلى الخير والمحبة نلتقي.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

كُتاب للأيام