النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10781 الاثنين 15 أكتوبر 2018 الموافق 6 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

عندما تكون خيانة الأمانة علنًا.. !!

رابط مختصر
العدد 10138 الثلاثاء 10 يناير 2017 الموافق 12 ربيع الآخر 1438

 نتحدث عن خيانة الأمانة وتوابعها..
دعونا نتأمل ونتعلم ما جرى ويجري في هذا السياق في أكثر من بلد غير عربي، وكيف تفعل الإرادات البناءة فيها ومن دون الدخول في التفاصيل المملة، ما يشبه في بلداننا العربية رابع المستحيلات..!! 


تأملوا هذا الذي حدث مؤخرًا في كوريا الجنوبية، البرلمان فيها أقال رئيسة البلاد بارك كيون، رمز الدولة لفعلة دخلت في باب «خيانة الأمانة» وهي تهمة شنيعة هناك، وأعضاء حزبها، الحزب الحاكم دعوها الى التنحي وقدموا اعتذارًا للشعب في البرلمان، والسبب أن الرئيسة سمحت لصديقة لها باستغلال صداقتهما للاطلاع على معلومات تخص الحكومة واستثمرتها للربح المادي وتحقيق مكاسب شخصية، وبذلك تكون أول رئيس يتم إقالته في البلاد.. !!


يا للهول على هذه التهمة، استنفر المجتمع الكوري بكل طاقاته وقدراته ومؤسساته ضد الرئيسة التي خانت الأمانة التي منحها إياها الشعب وأساءت إدارة الدولة، ومن ثم استحقت الطعن في شرعيتها وفي جدارتها بالاستمرار في عملها، مظاهرات وتنديدات واستنكارات على هذه الفعلة، كبير موظفي القصر الجمهوري ومعه عشرات المستشارين في الرئاسة أقيلوا من مناصبهم، حملات تفتيش جابت مكاتب مسؤولين كثر بحثًا عن أدلة ووثائق ومستندات للوصول الى الحقيقة لهذه الجريمة الشنيعة التي ارتكبتها الرئيسة، فقط لأنها سمحت لصديقة لها باستغلال هذه الصداقة لتحقيق مكاسب شخصية، وهذا يعني أنهم هناك لا يرحمون من تطوله شبهة الفساد، لا يشفع لهم أنهم من الكبار المحصنين الذين تعودنا أن تكون قاماتهم فوق هامة القانون..!! 


دعونا نتأمل أيضًا هذا الذي جرى في البرازيل حيث أطيح فيها برئيسة الجمهورية لأخطاء تحمل شبهة فساد، وكذلك الحال برئيس للوزراء في ماليزيا على نفس الخلفية مقرونة بتهمة استغلال النفوذ، يضاف الى القائمة رئيس وزراء ايسلندا الذي قدم استقالته بعد أن كشفت وثائق   بنما تورطه في قضايا خيانة الأمانة حين أدرج اسمه ضمن من تهربوا من دفع الضرائب وأخفوا الملايين في أماكن غير معلومة، أما في إيطاليا فقد وجدنا وزيرًا للنقل يستقيل متحملاً المسؤولية السياسية عن مناقصات شابتها مخالفات، ظهر الرجل الذي لم توجه له تهمة رسمية ولم يخضع لأي تحقيق ليعلن تحمله المسؤولية السياسية عن خيارات اتخذها واتخذتها وزارته،

 

ووجدنا وزيرًا في البرازيل استقال في أعقاب اتهامات بأنه مارس ضغوطًا على وزير آخر للموافقة على استثمار عقاري، كما وجدنا ذات مرة كيف قامت الدنيا ولم تقعد على مسؤول كبير في ألمانيا لأنه كتب خطاب توصية على ورقة رسمية يوصي فيها بتعيين أحد أقاربه، واعتبر ذلك فضيحة أدت الى اعتذار علني للمسؤول مقرونة باستقالته بل وجدنا وزيرًا للتعليم هناك استقال بعد أن مزَّق طلاب مدارس عدة الكتب المدرسية مع نهاية العام الدراسي محملاً نفسه المسؤولية لأنه فشل في جعل الطلاب يحترمون الكتاب، الأمثلة أكثر من أن تحصى، رؤساء ووزراء ومسؤولون أقيلوا او استقالوا او أجبروا على الاستقالة والتنحي وأحيانًا الانتحار، ولعلكم تذكرون كيف أن وزراء في اليابان انتحروا على خلفية شبهات فساد، او لقصور في الأداء او لاعتراف بفشل في الإدارة..!!


 تلك أمثلة نحسب أنها إن دلت على شيء فإنما تدل بالدرجة الأولى أن شعوب تلك الدول قادرة على أن تثبت للجميع أنهم يتمسكون بمنظومة قيم هي بمثابة دستور حياة وسلوك مجتمع، قيم تجعلهم يرفضون السلوكيات غير المسؤولة، وينبذون الذمم التي تفتقد طهارة اليد والضمير، قيم يؤكدون لنا من خلالها بأن دولهم ليست سائبة، فيها الحسيب والرقيب والقانون، وفيها الأقوال التي تتحول الى أفعال، الى إنجاز، الى ما يترجم عمليًا بأن المصلحة العامة،

 

والمصلحة العليا، ومصلحة الشعب فوق كل اعتبار وليست مجرد شعارات، وعلى هذا الأساس لا يعامل الناس على أنهم رعايا وليسوا مواطنين، او مشاهدين وليسوا مشاركين، ولا تكون القرارات هناك معاكسة لاتجاه الرأي العام او مستفزة له، ولا يوهمون الناس بأن الديمقراطية هبة من رأس الدولة وعلى الجميع أن يشكرون نعمته التي أنعم بها على الناس، ولذلك وجدناهم يواجهون بكل إصرار وحسم وردع كل ما ينتج الاعوجاج والأخطاء ويفتح شراهة منظومة الفساد التي تجعل كل شيء مباح.


بوسعنا أن نأخذ راحتنا في شرح ما يعنيه كل ذلك، وهي لا تخفى على ذوي الفطنة والبصيرة، وكل المعاني تثير تساؤلات من نوع: ماذا سيفعلون في كوريا وفي تلك الدول يا ترى لو اكتشفوا أن هناك تعديات على أملاك عامة، او أن المناصب والوظائف توزع ترضية على الأقارب والمحاسيب والأتباع، او أن هناك مشاريع وزعت على قاعدة الصفقات والمقايضات والحصص ومبدأ المشاركة بالمغانم التي لا تتعطل أبدًا، وأن هناك ممارسات فساد في مرافق الدولة ومشاريعها، او أن هناك من حصن نفسه من المساءلة والمحاسبة من اي تجاوزات ومخالفات، او جعل المساءلة، وكلام من نوع القانون يعلو ولا يعلى عليه يتساوى أمامه كل الناس وكل القوى، وكل المؤسسات، مجرد شعارات تفسح الباب والمجال لكي تتحول العيوب الى مصائب..!! 


بقي أن نقول إن ما جرى ويجري في تلك الدول وغيرها لا يستغرب في أي دولة تؤمن بالديمقراطية، في أي دولة تحترم الرأي العام، وتحترم قوى مجتمعها المدني، لا تغيبها او تقلل من شأنها او لا تعطيها أي اعتبار، ولا تستخف بذكاء وكرامات المواطنين، دول تعترف بالخطأ، أكان بسيطًا او جسيمًا، لا تداري على أحد مهما كان شأنه ومقامه ونفوذه، ولا تتردد في محاسبة من يخطئ، من يتجاوز، من يفسد، من ينحرف بالواجبات الوظيفية، من تحفل سجلاته بأوجه قصور او سوء أداء، لا يتركونهم هناك دون متابعة او تقييم او عقاب، دول يقدم فيها كل مسؤول بيانًا بممتلكاته ووضعه المالي حين يتسلم منصبه ويحاسب على أي مبلغ يدخل حسابه من خارج راتبه طيلة توليه المنصب،

 

واذا انتفع هو او أحد أفراد أسرته من المنصب فإن ذلك كفيل بإنهاء حياته السياسية والسقوط دون أي اعتبار، دول الوزراء والمسؤولون فيها يتحملون المسؤولية الأدبية والسياسية عن أي خطأ او جنوح، الوزراء هناك يملكون بالكامل مقاليد مسؤولياتهم ويقررون دون انتظار تعليمات او تكليفات، لا يتخبطون في السياسات ولا يتضاربون في القرارات، ومسؤولون أمام برلماناتهم - برلمانات حقيقية معتبرة - وأمام الرأي العام المعتبر وأمام صحافة حرة معتبرة تهاجم وتجادل وتنتقد،

 

دول لا تبعد أكفاء عن تحمل المسوولية ولا تتردد في ضخ دماء جديدة في شرايين المجتمع، دول يخدم الناس فيها أوطانهم بكفاءتهم ويتعففون بوطنيتهم عن الانحدار الى اي نوع من أنواع المستنقعات التي تصب في مجرى المحسوبية او المصالح الخاصة جدًا او الحزبية او الفئوية، او تلك التي تتخذ كاستثمار سياسي يذكي الغرائز والعواطف والمصالح على حساب الوطن والمواطنة، إننا معذورون اذا ما عددنا ذلك من الغرائب والعجائب حين نقارن كل ذلك بما جرى ويجري في بلدان عالمنا النامي او النائم حيث ترتكب خيانة الأمانة علنًا ولا يهتز شيء في البلد، ويبقى كل مسؤول في مكانه، فلا ينصلح شيء، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا