النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

محمد زويد كنز فني اكتشفته أوروبا.. فمتى نكتشف كنوزنا؟

رابط مختصر
العدد 10138 الثلاثاء 10 يناير 2017 الموافق 12 ربيع الآخر 1438

لكل إنسان مميز في مجال من مجالات الحياة، من علم وفن وأدب وشعر، بصمة في محيطه الاجتماعي وفي انتمائه الوطني يعرفه الناس بها، فعندما نتحدث عن فن الصوت في الغناء يبرز الى الذهن مباشرة اسم الفنان محمد زويد، وعندما يسترجع الأخوة في دول الخليج والعراق ذكرياتهم عن البحرين أو يذكرون البحرين فإن اسم محمد زويد يطل عليهم من نافذة الموسيقى بفنه الغنائي وخاصة الغناء الخليجي المعروف بالصوت. ولادته كانت مع غروب القرن التاسع عشر وبزوغ فجر القرن العشرين، ففي الأول من يناير 1900 انطلقت من حنجرته أول صرخة إيذانًا بقدومه الى هذه الحياة في حالة بو ماهر جنوب مدينة المحرق، درس القرآن مثل أبناء جيله في زمانه، ومن أجل أن يأمن لقمة العيش لأسرته ركب البحر «تبابا» (والتباب هو شخص صغير السن يتدرب على أعمال الغوص)، وهو في الخامسة عشر من العمر،

 

ولأنه كان صاحب حنجرة مؤهلة للغناء من حيث القوة وسلم طبقات الصوت فقد تأهل لأن يكون «نهامًا» على إحدى سفن الغوص (و النهام هو واحد من أفراد طاقم الغوص يقوم بإنشاد الأشعار الشعبية للتسرية عن الغواصين وحثهم على العمل، وذلك بلحن وأداء خاص وفق أوزان معينة مثل المواويل والأهازيج البحرية)، فمنذ صغره وهو يمارس الغناء الذي يتطلب حنجرة قوية وأداء مؤثرًا، التأثير في الحث على العمل والتأثير في الترفيه وبعث الاسترخاء والراحة لطاقم الغوص بعد ساعات العمل المضني والخطر. في هذه الأجواء ترعرع محمد زويد وتطورت قدراته الغنائية وتعلم الايقاع الموسيقي من مصدره الطبيعي الحياتي، من تموجات البحر ومن ضرب المجاديف لتحريك السفينة ومن الحركات الرتيبة لطاقم الغوص في عمليات إعداد السفينة للإبحار وحناجرهم تتعالى (هي يا ملي هي يا الله... هي يا ملي هي يا الله... يا الله يا الله... قلنا يا الله... هولو سيدي... هولو هولو يا فزعة الله)، ومن رتابة سحب السيب للغيص ومن صوت الحناجر وهي تتدفق باصوات متناغمة إيقاعية عند كل مهمة بحرية يؤديها طاقم الغوص. كان الايقاع ملازمًا لسفن البحث عن اللؤلؤ في الهيرات حيث المرعى لكنوز اللؤلؤ. 


مع هذه المؤهلات التي اكتسبها الفنان محمد زويد بقدراته وجهوده الذاتية رأى لنفسه موضعًا آخر، موضعًا أوسع فضاء لفن الغناء، الغناء المصحوب بالآلات الموسيقية، والانتقال من النهيم الى الطرب، الطرب الذي كان في حينه تتربع على عرشه آلة العود، فلا يمكن للمطرب الكامل الأركان إلا أن يكون بارعًا في العزف على العود وامتلاك حنجرة قوية تجود بأجمل الأصوات، والعود هو الآلة الموسيقية القائدة في التخت الشرقي، فتعلم العود على يد الفنان محمد فارس، فأتقن فن العزف على العود، وصار في العزف مبدعًا، وكان اهتمامه بالموسيقى والغناء كبيرًا وجادًا فسافر الى العراق لتسجيل أغانيه وللتعرف على آفاق أوسع في عالم المقامات الموسيقية من المخزون الشرقي الأصيل، من الإرث الموسيقي في العصر الذهبي للدولة الاسلامية العباسية للموسيقار والمغني إسحاق الموصلي والمغنية الشهيرة شارية.


 نستطيع أن نتلمس خيطًا رفيعًا في تكوين فنان أصيل، وهذا الخيط هو سمة الذكاء عند الفنان محمد زويد، فكينونته الفنية اعتمدت على قاعدتين هما الذكاء والطموح، فقد سبق معلمه محمد فارس والفنانين الآخرين في البحث عن التعريف بفنه خارج موطنه، عندما ذهب الى العراق لتسجيل أغانيه واكتساب معرفة موسيقية أوسع، وقد سار على دربه بقية الفنانين من بعده، فهو كان السابقة في هذا الجهد والمبتغى. وقد دفعه ارتباطه المتعمق بالغناء والطرب الى أن يتذوق الشعر، فكان يختار القصائد من شعر المتنبي وأبي فراس الحمداني وغيرهما من فطاحل الشعراء.
فنان بهذه المكتسبات، والمكتسبات بقدرات ذاتية بحتة، يكون مؤهلاً وقادرًا أن يبدع ويجدد رغم أنه لم يتعلم الموسيقى في المعاهد ولم يقرأ الموسيقى من رسم النوتة الموسيقية، إلا أنه أبدع في العطاء الموسيقي لغرض الغناء، ومن أغانيه، على سبيل المثل لا الحصر، التي تختزن في ذاكرة كل رفاق جيلي وأبناء رفاق جيلي: «هم يحسدوني»، «كوكو»، «ظريف المحاسن»، «جسد ناحل وقلب جريح»، و«يا حمود ما شفت الخضر».

 

الملفت للنظر وبشيء من الغرابة المشوبة بالعجب والإعجاب أغنية «كوكو» ذات النسق الموسيقي غير المعهود بجمله الموسيقية وبوقع إيقاعاته المتنقلة وبكلماته السلسة البسيطة، وهذه الأغنية شبيهة الى درجة نسبية لأغنية «خي خي» للموسيقار محمد عبدالوهاب، وليس في الأمر أي استغراب رغم الفارق بين المقامين، لأن لكل مقام منزلته من التقدير والإعجاب والاحترام، ليس مستغربًا لأن بعض الروايات تفيد بأن الموسيقار محمد عبدالوهاب كان يحب الاستماع إلى الفنان محمد زويد وهو يعزف على العود، وهذه الرواية تؤازرها وتكاد أن تصدقها دون شكوك اللواحق من السنين بعد رحيل الموسيقار العربي الكبير والفنان الخليجي القدير، حديثًا تداولت وسائط التواصل الاجتماعي عملاً موسيقيًا على مقاس الموسيقى الكلاسيكية لموسيقى أغنية «كوكو» لفرقة موسيقية في روسيا، وعملاً موسيقيًا غنائيًا آخر في فرنسا، أغنية فرنسية بكلمات فرنسية وموسيقى أغنية «كوكو»... لا عجب... لا عجب... أبدا أبد، فالفنان محمد زويد كنز موسيقي له وزنه النوعي، اكتشفه وقدر مواهبه أولاً الموسيقار محمد عبدالوهاب، وبعد برهة من الزمن اكتشفت أوروبا، بشرقها وغربها، هذا الكنز الفني الموسيقي في قدرات وعطاء وإرث الفنان الخليجي الكبير محمد زويد.


إن ارتقاء سمعة الفنان محمد زويد من محيطه الخليجي إلى آفاق أوروبا والعالم هو بمثابة كشف لكنز من كنوز الشرق، فمثلما كشفت أوروبا عن عن كنوزنا الشرقية من حضارات الفراعنة والكنعانية والسومرية والفارسية، وشيئًا من أعمال أهل الشرق الأدبية، مثلما ترجم الشاعر الانجليزي إدوارد فيتزغيرالد رباعيات الخيام، فسبق الغرب الشرق في اكتشاف الخيام الشاعر.
نكاد أن ننحي إلى الجزم بأن كل كنوز الشرق قد اكتشفها الغرب وثمنها وقدرها الغرب أكثر من الشرق...


إن في الشرق عامة وفي شرقنا العربي خاصة كنوز من إبداعات الإنسان الشرقي، وهذه الكنوز إما أن تتلاشى مع تعاقب الزمن وإما أن ينبش عنها ذات يوم أهل العلم والمعرفة والتقدير لإبداعات الانسان، وحسبي اليوم أن القادرين على اكتشاف تلك الكنوز ليسوا من شرقنا العربي، ويا للحسرة والأسف والندم... 
فمتى سينهض هذا الشرق وخاصة الشرق العربي لاكتشاف كنوزه المدفونة تحت التراب في مقبرة الجهل والإهمال؟!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا