النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

مجلس التعاون الخليجي بعد حلب

رابط مختصر
العدد 10131 الثلاثاء 3 يناير 2017 الموافق 5 ربيع الآخر 1438

انتصر الأسد على جثث أهالي مدينة حلب، وسيطرت قوات نظامه بمساعدة القوات (الروسية والإيرانية وميليشيات حزب الله) على معظم أحياء المدينة التي كانت تحت يد المعارضة، ونجح الجيش السوري في تحقيق انتصاره الأول منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي وقيام دولة إسرائيل في (مايو 1948م)، بعد أن أحرق أقدم مدينة في العالم على رأس أبنائها ودمر كل معالمها، وبارك الأسد للسوريين ذلك (الانتصار) بقوله: (... مع تحرير حلب فإن الوضع السوري والإقليمي والدولي لن يكون هو نفسه، وتحرير حلب يرسم التاريخ، وهو أكبر من كلمة مبروك...).


بشار الأسد يدعي أنه رسم التاريخ وحقق انتصارًا عظيمًا تتعدى مشاعره كلمة (مبروك)، وهو يعلم علم اليقين بأنه أعاد لأذهان الشعوب العربية الأصيلة (محرقة الهولوكست) بتفاصيلها، فكل ما ارتكبه من جرائم وتدمير وحرائق وممارسات وحشية وانتهاكات بليغة لحقوق الإنسان السوري يتجاوز حدود العقل، ولا يمكن تبريره أو وصفه، وينتهك بشكل صارخ كل المشاعر الإنسانية وجميع القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية، وسيسجل التاريخ احتفالات طهران وموسكو وبعض الأقلام الصحفية العربية بدموية هذا النظام المجرم الذي شاركوه المجازر والعقاب الجماعي وجرائم الإبادة متكاملة الأركان تحت دوافع انتقام طائفية واضحة.


وتبقى الأسئلة المحيرة في خضم الأحداث المتسارعة والمعقدة حول أسباب مساندة موسكو لبشار الأسد، وتخلي واشنطن عن المعارضة السورية، وعدم تأثر العلاقات الخليجية الروسية بتطورات الأوضاع في حلب، ولعل في التحليل الآتي ما يمكن أن يكون إجابة على تلك التساؤلات:
أولاً: تجاوزت واشنطن وحلفائها في الاتحاد الأوروبي الخطوط الحمر في علاقاتها مع موسكو، خاصة ما يتعلق منها بالأمن القومي الروسي بعد أن أطاحت بالنظام الموالي لموسكو في أوكرانيا وضمتها بسرعة مكوكية إلى الاتحاد الأوروبي، وقد وجدت موسكو ولأول مرة في تاريخها أن واشنطن وحلفاءها الأوروبيين قاموا بمد خطوط الدفاع عن الاتحاد الأوروبي وعلى الأخص مدنه التاريخية (برلين ولندن وباريس) على أعتاب موسكو، وهي المرحلة الأخيرة لتدمير الكيان الروسي السوفيتي الذي بدأ منذ عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، لذلك كان لابد لروسيا من إيجاد ورقة تفاوض قوية لتعيد أوكرانيا إلى منطقة نفوذها ودائرة أمنها القومي ورفع العقوبات الاقتصادية عنها.


ثانيًا: الخطة الأمريكية والتي بدأ تنفيذها في (ديسمبر 2010م) في تونس لتغيير أنظمة الحكم السنية في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها أنظمة حاضنة للإرهاب إلى أنظمة تعددية ديمقراطية، وبذريعة حماية حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة والإصلاح السياسي والاقتصادي، كان هدفها الرئيسي إقامة أنظمة مطابقة لنظام ولاية الفقيه الإيراني ولكن على الطريقة السنية، فتم تثوير الشارع العربي بطريقة لم يشهدها في التاريخ، واستنساخ النظام التركي الإسلامي كنموذج للنظام العربي الجديد، وذلك بعدما استنفدت واشنطن تجاربها مع العرب منذ الخمسينيات والتي تقلبت بين القوميين والشيوعيين والناصريين والبعثين والرجعيين، وبعد استغلال الطائفية الدينية كوسيلة لإحداث التغيير الذي تسعى إليه، وهذا ما عقد الأوضاع في الشرق الأوسط وساهم في ظهور التنظيمات الإرهابية.


ثالثًا: كان لابد للولايات المتحدة الأمريكية من تغيير الأنظمة القبلية الخليجية عن طريق استغلال الطائفية والخلافات الحدودية التي ولدت حالة من عدم الثقة بين دول مجلس التعاون، ومن أجل أن تحقق واشنطن أهدافها الشيطانية عملت على:
1. مساعدة إيران على تأجيج الروح الطائفية والولاء للمذهب الشيعي لدى الشيعة من مواطني دول المجلس وخاصة في البحرين والكويت والسعودية، وهو ما أوجد حالة عدم استقرار مستمرة منذ الثورة الإيرانية في (1979م) وتوتر العلاقات الخليجية الإيرانية. 
2. خلق حالة من الخوف والذعر بسبب الذراع الإيرانية التي طالت العراق وسوريا ولبنان واليمن، وما ترتب عليها من تهديدات وتدخلات سافرة في الشأن الداخلي الخليجي والذي عكسته الرسالة التي فوضت دولة الكويت في (قمة المنامة) الأخيرة بتسليمها إلى القيادة الإيرانية. 


3. استخدام عدد من وسائل الضغط على دول مجلس التعاون تحت حجج واهية، كإقرار الكونجرس الأمريكي لقانون جاستا، وإلغاء صفقة السلاح بين واشنطن والرياض بسبب الادعاء باستخدامه لضرب المدنيين في اليمن، وتعليق صفقة بيع الطائرات المقاتلة إلى البحرين حتى إحرازها تقدمًا في ملف حقوق الإنسان.
رابعًا: قد يعود عدم تأثر العلاقات الخليجية الروسية بتطورات الأحداث في حلب إلى وجود تفاهمات (سعودية إماراتية قطرية روسية) غير معلنة تتعلق بضمانات روسية للتوصل إلى حل سياسي للقضية السورية بمشاركة المعارضة في المفاوضات المقرر عقدها مع وفد الحكومة السورية في العاصمة الكازاخستانية (الأستانة) منتصف يناير الجاري، وبلا أدنى شك سينتهي الحل السياسي إلى المطالبة بإنهاء التواجد الأجنبي على الأراضي السورية، مما يعني تراجع الدور الإيراني الميداني والسياسي في سوريا وسقوط ذرائع إيران وحلفائها كميليشيات حزب الله في تعزيز وجودها على الأراضي السورية.


ولكي تكتمل سياسة الضغط السياسي والحقوقي الأمريكي على دول مجلس التعاون التي تمر بمرحلة حساسة في تاريخها لعدم وجود سياسة خليجية موحدة تجاه (الاحتلال الإيراني) للعراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، يتجدد الاختلاف على مضمون الخطاب الخليجي الموجه للإدارة الأمريكية، لتبدأ رئاسة دونالد ترامب في (20 يناير 2017م) بإشارات غامضة وتصريحات حادة وتعيينات غير مسبوقة في المناصب السيادية المهمة جدًا كوزارة الخارجية والطاقة والبيئة وسفير واشنطن في إسرائيل الذي صرح بأنه ينتظر بفارغ الصبر العمل في السفارة الأمريكية (في العاصمة الأبدية لإسرائيل). 


إن القراءة الدقيقة للعلاقات الخليجية مع كل من (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران) في ضوء التداعيات والنتائج المتوقعة بعد انسحاب المعارضة السورية من حلب، ورفضها المشاركة في أي مؤتمر ينعقد خارج مظلة الأمم المتحدة، وفي ظل التهديدات الخطيرة التي ستواجهها دول مجلس التعاون في القريب المنظور تكشف الآتي:
• ضرورة إعداد دراسة استراتيجية للعلاقات الخليجية الروسية، ووضع أسس جديدة للعلاقات مع إيران، تضع الحد الأدنى الذي من الممكن الالتزام به بين دول المجلس في علاقاتها مع هذين البلدين وذلك بعد المشاركة الروسية الميدانية والسياسية في سوريا، وتدخل إيران المستفز في الشؤون الداخلية لدول المجلس واعتبار نفسها حامية الأقليات الشيعية في الوطن العربي، ما كان له تأثير واضح على امتداد النفوذ الإيراني في العراق وسوريا وفي عدد من العواصم العربية وحالة من عدم الاستقرار في بعض دول مجلس التعاون.


• أهمية إعادة تأسيس العلاقات الخليجية الأمريكية وتنشيطها بتشكيل فريق خليجي من السياسيين والأكاديميين المستقلين تكون مهمته إعداد استراتيجية جديدة لهذه العلاقات وفق معايير تتوائم مع المستجدات على الساحة الأمريكية وتقوم على رؤى واضحة أساسها المصالح المتبادلة والشفافية والثقة والالتزام.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية
 ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا