النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

سارة الهاني ملكة الصوت الغنائي

رابط مختصر
العدد 10117 الثلاثاء 20 ديسمبر 2016 الموافق 21 ربيع الأول 1438

سارة الهاني من نبت الأرز في لبنان وقد أكرمتها الطبيعة بِمَلَكِيَّةِ الصوت، فهي صاحبة صوت تملك الصوتَ وتُطَوِّعُهُ وتُنَغِّمُهُ، ولا يجهدها ملكوتُ الصوتِ مهما تمادى الصوت بأعالي الطبقات و بمدى الترددات، فإن سارة الهاني هي ملكة الصوت الغنائي بكل تجليات الصوت و طبقاته وتعرجاته وتلاوينه، الصوت الغنائي الذي لا يتكرر عبر العهود والعصور إلاّ فيما ندر، وها نحن اليوم، في هذا العصر من الزمان، شهود على فنانة بالفطرة وبالطبيعة وبأصالة مكوناتها الذاتية تخترق عالم الفن الغنائي دون منازع، فكأننا بها دُرَّةُ العصرِ و نعمتها لأبناء هذا الزمان.. أجمل وأرقى صوت وأقوى صوت تشهده غُرَّةُ القرن الواحد والعشرين في عالمنا العربي. 


إطلالتها الأولى كانت على إحدى قنوات التلفاز اللبناني في مسابقة الغناء وأمام لجنة تحكيم مكونة من كبار الموسيقيين والفنانين، وأمام حشد من عشاق الغناء والموسيقى. 
اختارت للمسابقة أغنية من الماضي الأصيل، ماضي الإبداع في ثالوث الصوت و النغم و الكلمِ، إختارت أغنية «ليالي الأنس في فينا»، كلمات الشاعر أحمد رامي، المبدع في الشعر وأمير الشعر الغنائي، وأنغام الموسيقار فريد الأطرش المبدع في إخراج التلاوين المتعددة لجمال النغم الشرقي في أصالته الشرقية وفي تمازجه الكيميائي مع ثقافة الموسيقى الغربية وخاصة الكلاسيكية منها. 


وهذه الأغنية هي من المستوى المعياري في تقييم النغم والأداء الغنائي، وليس بمقدور كل من ادعى الغناء أن يتقن أداء هذه الأغنية الكاملة الأركان كلمة و نغماً و أداءً. وقفت الشابة الجميلة سارة الهاني يزينُ جمالُها فستاناً أحمراً بينما ينساب شعرها الأسود الحريري اللَّمّاع الطويل مغطياً سطح ظهرها، وقفت وقفة الجمال مثلما وقفة الجمال الأسطوري لڤينوس الإغريق وأفروديت الرومان، هكذا كانت طلتها قبل الغناء، فأبهرت الحضورَ بحضورها، فترقب الحضور عمّا سيجود به هذا الجمال الصامت من جمال النطق بالغناء. انسابت الأنغام من آلات الفرقة الموسيقية وانطلقت من أوتار حنجرتها أولى الكلمات «ليالي الأنس في ڤيينا..»،

وانسابت من معين الحنجرة عبر تناغم اللسان والشفتين كلمات رامي في أداء غنائي يكاد أن يفوق أداء أسمهان ذاتها، فكان أداؤها مميزاً رائعاً ملائكيَّ التغريد بالكلمات وبتناغم دقيق متكامل الجمال والكمال مع كل نغمة تنطلق من جوقة الفرقة الموسيقية؛ الكلم والنغم والغناء، كلها انسابت في وحدة جمالية كاملة الجمال، فنسى الحضورُ حضورَهُ وانحصرَ الحضورُ في صوتٍ ملائكي يجود به جمال سارة الهاني؛ لم يتمالك أعضاء لجنة التحكيم أنفسهم أمام هذا الجمال المزدوج، جمال القوام وجمال الغناء، فوقفوا على أصابع أرجلهم يصفقون لها وهم مبهورون بهذا الصوت الرائع الجمال الذي جاءهم من ظهر غيب، ولم يكن الجمهور الحاضر في صالة المسابقة، والغائب أمام شاشات التلفاز أقل انبهاراً بهذا الصوت الذي لم تعهده آذانهم، ويكتمل جمال القوام مع هذا الصوت الرائع الجمال.


كانت هذه بداية سارة الهاني، و من ثم غنت للكثيرين وأتقنت وأضافت إبداعاً غنائياً في الأداء، ومن الأغاني القوية في بنيتها الموسيقية لوازم الأداء والتي غنتها بقوة تفوق قوة صاحبها هي أغنية «لبنان يا قطعة سما» للمطرب اللبناني وديع الصافي المشهور والمعروف بأنه يمتلك أقوى وأجمل صوت رجالي في العالم العربي، وكان الصافي حاضراً وسارة تغني أغنيته، فانبهر وديع الصافي بأدائها فأخذ يصفق تارة و يرفع يديه تارة أخرى يحركهما في حركات متماوجة راقصة من فرط إعجابه بروعة الأداء الذي تخطى حدود جمال صوت وديع الصافي نفسه، وكأني به يقول بإعجاب المتواضع المحق في حكمه: «كم هو جميلٌ أن أسمع أغنيتي بصوتٍ أجمل من صوتي»؛ هكذا أداء هذه الحسناء التي ملكت جمال الصوت و القوام معا...


هذه هي سارة الهاني جميلة الجمال في بنيتها الأنثوية الكاملة الكمال، ومالكة الصوت الغنائي الذي تسجدُ له الأنغامُ إجلالاً وتعظيماً، وتشتاق كلمات الشعر أن تنسابَ عبر لسانها وشفتيها... 
يقيناً فالصوت مُلْكُ يمينها، ولكن هل يكفي الصوت وحده لينتج ثمرة غنائية متكاملة الأركان؟ هنا يقف الصوت على مفترق طرق.. هذه الملكة الصوتية في حاجة إلى نغمٍ من موسيقيٍّ عبقريٍّ في صياغة ألوان النغم الذي يتكامل مع طبيعة الصوت ومعاني الكَلِمِ؛ عبقري موسيقي من معيار الموسيقار محمد عبدالوهاب والسنباطي وفريد الأطرش وبليغ حمدي والموجي، فمثلاً وبعيداً عن الحصر لقد أبدع عبدالوهاب في ترجمة كلمات الشاعر نزار قباني بمعاني النغم وعرف بخبرته وعلمه الموسيقي الصوت الذي يتلاءم مع ذاك المزيج من الكلم والنغم، فكان الصوت الذي اختاره هو صوت نجاة الصغيرة، وإلى اليوم لم يخرج إلينا ملحنٌ قادرٌ على ترجمة شعر نزار قباني أو أي شعر آخر بمعاني النغم رغم محاولة البعض ولكن دون نجاح يستحق التقدير والإعجاب.


الخوف والهاجس المؤلم أن ينزلق هذا الصوت في غياب الصياغة الموسيقية الملائمة الى مستويات متدنية من النغم والكلم تعبث بالصوت وتشرذمه وتفكك أوصاله إلى أن تغتاله وتُقْبِرُه، ومن أشد المنزلقات جرماً بحق هذا الصوت هو الانصياع إلى إغراءات المال والثراء على حساب القيمة النوعية لثمرة الغناء المتكامل الأركان؛ ذاك الثالوث الأركان، الشعر المعبر والنغم القادر على ترجمة الشعر وإحقاق صوت سارة الهاني حق قدره وحق طبيعته وحق مَلائِكِيَتِه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا